فقال بعضهم: إنه انتهى أناس وصعدوا الجبل، فرأوا وراءه بحرا عجاجا، ماؤه أسود كالليل، يشقه نهر أبيض كالنهار يدخل الجبل من جنوبه ويخرج من شماله، ويتشعب على قبة هرمس المبنية هناك. وزعموا أنه هرمس الهرامسة، وهو المسمى بالمثلث بالحكمة (١). ويزعم بعضهم أنه إدريس ﵇. بلغ ذلك الموضع وبنى به قبة. قالوا: وسمى بالمثلث، لاجتماع الثلاثة له: النبوة، والحكمة، والملك.
وقال بعضهم: إن أناسا صعدوا الجبل، وبقي كلما تقدم منهم واحد، ضحك وصفق بيديه وألقى روحه إلى ما وراء الجبل. فخاف البقية أن يصيبهم مثل ذلك، فرجعوا.
وزعم بعضهم: أن أولئك إنما رأوا حجر الباهت. فبقي كل من رآه منهم، ضحك وتقدم إليه والتصق به، حتى مات.
وسيأتي إن شاء الله ما ذكره صاحب الجغرافيا عن أرسطو في خاصية هذا الحجر.
وقال بعضهم: إن ملكا من ملوك مصر الأول جهز أناسا للوقوف على أوّله. فانتهوا إلى جبال من نحاس، لما طلعت عليها الشمس وانعكست عليهم أشعتها، أحرقت غالبهم، فرجع البقية.
وقال بعضهم: إنهم انْتَهَوْا إلى جبال برّاقة لماعة كالبلور. فلما انعكست عليهم أشعة الشمس الواقعة عليها، أحرقتهم.
وقال بعضهم - وهو الصحيح - والله أعلم: إنه لتوغل منبعه في الخراب المنقطع من وراء خط الاستواء، تعذر السلوك إليه: لبعد المسافة وشدة الحر.
فإن قال قائل: فما منع قدماء الملوك، مع ولعهم بمعرفة أحوال البلاد وحقائق ما هي عليه، أن يجهزوا من يقف على حقيقة أوّله؟ قلنا له: وأي فائدة تفي بركوب هذا المهلك في أرض لا ينبت بها نبات ولا يعيش حيوان، ولا يعرف مقدار ما يستعد له المسافر، ولا ما يستظهر به الظهر (٢).
(١) Triomegiste (زكي). (٢) مما يجب ذكره في هذا المقام أن سلطان مصر الملك الصالح نجم الدين الأيوبي كان يشتهي أن يعرف أصل النيل. فرسم بشراء عبيد صغار زنوج وما شاكلهم، جلب لم يستعربوا. وسلمهم لصيادي السمك والبحارة ليعلموهم صنعة البحر وصيد السمك وأن يكون قوتهم من السمك لا غير. فاذا مهروا في ذلك تصنع لهم مراكب صغار ليركبوا فيها ويأتوه بخبر النيل. (انظر: مطالع البدور في منازل السرور، ٢/ ٧٤ و ٧٥) [والظاهر أن هذا المشروع لم يتم نظر للاضطرابات التي كانت حاصلة في مصر في ذلك الوقت أوّلًا بهجوم الصلبيين وثانيًا بانقراض السلالة الأيوبية. وهذا المشروع قد تم بفضل اسماعيل خديو مصر الكبير في هذا العهد الجديد]. (زكي).