المرآة فلم يقدروا على ردها لأن واضعيها كانوا حكماء قد نصبوها بطالع مختار.
واختلف الناس في هذا القول، فمنهم من ذكره ومنهم من ذكر غيره، قال: غير أني قرأت في بعض كتب التواريخ أن أعاجيب الدنيا أربعة: فرس من نحاس بأقصى غرب الأندلس لا يتجاوزه أحد إلا ابتلعه الرمل، وشجرة من نحاس برومية عليها صورة طائر من نحاس وهو الذي يسمى الزرزور؛ إذا كان أوان نضج الزيتون فلا يبقى طائر من جنسه - وهو الطائر المعروف - إلا أتى حاملًا زيتونة في منقاره وزيتونتين في رجليه فيلقيه عند الطائر النحاس المذكور فيعصر أهل رومية من ذلك ما يكفي أدمهم وسرج عامهم، ذلك لأن رومية ليس بها زيتون. ومنارة من نحاس عليها راكب من نحاس بأرض عاد، إذا كان في الأشهر الحرم جرى منها الماء ولا يجري من غيرها. ومرآة بمنارة الإسكندرية ترى بها القطائع الحربية إذا تجهزت من القسطنطينية العظمى فيرى أهل الإسكندرية أهل القسطنطيطينة وبينهما عرض البحر.
قال: وأما مساحة المنارة فهي ثلاث طبقات، ومساحتها على ما ذكره بعض المتصلين مائتا ذراع وثلاث وثلاثون ذراعًا، فالطبقة الأولى مربعة وهي مائة ذراع وإحدى وعشرون ذراعًا، والطبقة الثانية مثمنة وهي إحدى وثمانون ذراعًا ونصف ذراع، والطبقة الثالثة مستديرة وهي ثلاثون ذراعًا ونصف ذراع.
قلت: أما ما حكاه عن منارة الإسكندرية (١) فقد أصبحت كلها أثرًا بعد عين، سقطت أعلامها ومحيت آثارها ولم يبق من المنارة إلا دون العشرين ذراعًا، وأمر السلطان لها بالبناء ولم يصرف إليها وجه الاعتناء، وليس الناظور الآن إلا في منارة استحدثت على كوم عال داخل السور يعرف بكوم معلى لا له أساس ثابت ولا جدار معلى. وأما عمود الصواري فباق على حاله والطلل هائل ولا طائل، وهو من الإسكندرية على مسافة نصف يوم من غربيها البر الأقفر المتصل ببرقة إلى الغرب الأقصى.
والرطل الإسكندري يسمى الجروي (٢) وهو رطلان وأوقيتان بالمصري، وإردبها ثمان ويبات بإردب وثلث بالمصري وأسعارها أقرب إلى الرخاء ولولا الحجير زادت رخاؤها وعظمت أجلابها.
(١) عن منارة الإسكندرية، راجع: مروج الذهب ٢/ ١٠٤ - ١٠٨، رحلة ابن بطوطة ١٣، الخطط ١/ ١٥٥ - ١٥٨، حسن المحاضرة ١/ ٨٩ - ٩٣. (٢) راجع عن الرطل الجروي: قوانين الدواوين ٣٦١.