للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .


= حديث رسول الله ! فقال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق، ما تحققت هذا إلّا الساعة! كأن ليس فيها يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما، قد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين؟! فوضع أحمد كمه على وجهه، وقال: دعه يقوم، فقام كالمستهزئ بهما".
وأكثر هؤلاء القصاص جهال، تشبهوا بأهل العلم، واندسوا بينهم، فأفسدوا كثيرًا من عقول العامة.
ويشبههم بعض علماء السوء، الذين اشتروا الدنيا بالآخرة، وتقربوا إلى الملوك والأمراء والخلفاء، بالفتاوى الكاذبة، والأقوال المخترعة التي نسبوها إلى الشريعة البريئة، واجترؤا على الكذب على رسول الله ، إرضاء للأهواء الشخصية، ونصرًا للأهواء السياسية، فاستحبوا العمى على الهدى.
كما فعل غياث بن إبراهيم النخعي الكوفي الكذاب الخبيث - كما وصفه إمام أهل الجرح والتعديل: يحيى بن معين -:
فإنه دخل على أمير المؤمنين المهدي، وكان المهدي يحب الحمام ويلعب به، فإذا قدامه حمام، فقيل له: حدث أمير المؤمنين، فقال: حدثنا فلان عن فلان أن النبي قال: لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر أو جناح، فأمر له المهدي ببدرة، فلما قام قال: أشهد على قفاك أنه قفا كذاب على رسول الله : ثم قال المهدي: أنا حملته على ذلك، ثم أمر بذبح الحمام، ورفض ما كان فيه.
وفعل نحوًا من ذلك مع أمير المؤمنين الرشيد فوضع له حديثًا أن رسول الله كان يطير الحمام. فلما عرضه على الرشيد قال: اخرج عني، فطرده عن بابه.
وكما فعل مقاتل بن سليمان البلخي - من كبار العلماء بالتفسير - فإنه كان يتقرب إلى الخلفاء بنحو هذا.
حكى أبو عبيد الله وزير المهدي قال: "قال لي المهدي: ألا ترى إلى ما يقول لي هذا - يعني مقاتلًا - قال: إن شئت وضعت لك أحاديث في العباس؟! قلت: لا حاجة لي فيها".
وشر أصناف الوضاعين وأعظمهم ضررًا قوم ينسبون أنفسهم إلى الزهد، والتصوف، لم يتحرجوا عن وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب، احتسابًا للأجر عند الله، ورغبة في حض الناس على عمل الخير واجتناب المعاصي، فيما زعموا، وهم بهذا العمل يفسدون ولا يصلحون. وقد اغتر بهم كثير من العامة وأشباههم، فصدقوهم ووثقوا بهم، لما نسبوا إليه من الزهد والصلاح، وليسوا موضعًا للصدق، ولا أهلًا للثقة. وبعضهم دخلت عليه الأكاذيب جهلًا بالسنة، لحسن ظنهم وسلامة صدرهم، فيحملون ما سمعوه على الصدق، ولا يهتدون لتمييز الخطأ من الصواب، وهؤلاء أخف حالًا وأقل إثمًا من أولئك.
ولكن الواضعون منهم أشد خطرًا، لخفاء حالهم على كثير من الناس، ولولا رجال صدقوا في الإخلاص لله، ونصبوا أنفسهم للدفاع عن دينهم، وتفرغوا للذبِّ عن سنة رسول الله ، وأفنوا أعمارهم في التمييز بين الحديث الثابت وبين الحديث المكذوب، وهم أئمة السنة وأعلام الهدى -:
لولا هؤلاء لاختلط الأمر على العلماء والدهماء، ولسقطت الثقة بالأحاديث.
رسموا قواعد للنقد، ووضعوا علم الجرح والتعديل، فكان من عملهم علم مصطلح الحديث، وهو أدق =

<<  <   >  >>