للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَلَا تُضَعِّفْ مُطْلَقًا مَا لَمْ تَجِدْ … تَضْعِيفَهُ مُصَرَّحًا عَنْ مُجْتَهِدْ (١)

[من تقبل روايته ومن ترد]

لِنَاقِلِ الأَخْبَارِ شَرْطَانِ هُمَا: … عَدْلٌ، وَضَبْطٌ: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمَا

مُكَلَّفًا لَمْ يَرْتَكِبْ فِسْقًا وَلَا … خَرْمَ مُرُوءَةٍ وَلَا مُغَفَّلَا


= ضعيف، لئلا يغترّ به القارئ أو السامع، ولا يجوز للناقل أن يذكره بصيغة الجزم، لأنه يوهم غيره أن الحديث صحيح، خصوصًا إذا كان الناقل من علماء الحديث الذين يثق الناس بنقلهم، ويظنون أنهم لا ينسبون إلى رسول الله شيئًا لم يجزموا بصحة نسبته إليه. وقد وقع في هذا الخطأ كثير من المؤلفين وتجاوز عنهم.
وقد أجاز بعضهم رواية الضعيف من غير بيان ضعفه بشروط:
أولًا: أن يكون الحديث في القصص أو المواعظ أو فضائل الأعمال أو نحو ذلك، مما لا يتعلق بصفات الله تعالى وما يجوز له ويستحيل عليه سبحانه، ولا بتفسير القرآن، ولا بالأحكام كالحلال والحرام وغيرهما.
ثانيًا: أن يكون الضعف فيه غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب والذين فحش غلطهم في الرواية.
ثالثًا: أن يندرج تحت أصل معمول به.
رابعًا: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط. والذي أراه أن بيان الضعف في الحديث الضعيف واجب في كل حال، لأن ترك البيان يوهم المطلع عليه أنه حديث صحيح، خصوصًا إذا كان الناقل له من علماء الحديث الذين يرجع إلى قولهم في ذلك، وأنه لا فرق بين الأحكام وبين فضائل الأعمال ونحوها في عدم الأخذ بالرواية الضعيفة، بل لا حجة لأحد إلا بما صح عن رسول الله من حديث صحيح أو حسن.
وأما ما قاله أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن المبارك: "إذا روينا في الحلال والحرام شددنا، وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا" فإنما يريدون به - فيما أرجِّح والله أعلم - أن التساهل إنما هو في الأخذ بالحديث الحسن الذي لم يصل إلى درجة الصحة، فإن الاصطلاح في التفرقة بين التصحيح والحسن لم يكن في عصرهم مستقرًا واضحًا، بل كان أكثر المتقدمين لا يصف الحديث إلا بالصحة أو بالضعف فقط.
(١) من وجد حديثًا بإسناد ضعيف فالأحوط أن يقول: "إنه ضعيف بهذا الإسناد" ولا يحكم بضعف المتن - مطلقًا من غير تقييد - بمجرد ضعف ذلك الإسناد، فاقد يكون الحديث واردًا بإسناد آخر صحيح، إلا أن يجد الحكم بضعف المتن منقولًا عن إمام من الحفاظ المطلعين على الطرق. وإن نشط الباحث للبحث عن طرق الحديث وترجح عنده أن هذا المتن لم يرد من طريق أخرى صحيحة، وغلب على ظنه ذلك -: فإني لا أرى بأسًا بأن يحكم بضعف الحديث مطلقًا. وإنما ذهب المصنف هنا إلى المنع تقليدًا لهم في منع الاجتهاد، كما قلنا نحو هذا في الكلام على الصحيح فيما مضى في (ص ١٣) من هذا الشرح.

<<  <   >  >>