للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(وَالأَكْثَرُونَ) قَسَّمُوا هَذِي السُّنَنْ … إِلَى صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ وَحَسَنْ

[الصحيح]

حَدُّ الصَّحِيحِ: مُسْنَدٌ بِوَصْلِهِ … بِنَقْلِ عَدْلٍ ضَابِطٍ عَنْ مِثْلِهِ

ولَمْ يَكُنْ شَذًّا (١) وَلَا مُعَلَّلَا، … والْحُكْمُ بِالصِّحَةِ وَالضَّعْفِ عَلَى

ظَاهِرِهِ، لَا القَطْعِ، إِلَّا مَا حَوَى … كِتَابُ مُسْلِمٍ أَوِ الْجُعْفِي (سِوى

مَا انْتَقَدُوا) فَابْنُ الصَّلَاحِ رَجَّحَا … قَطْعًا بِهِ، (وَكَمْ إِمَامٍ جَنَحَا)

والنَّوَوِي رَجَّحَ فِي التَّقْرِيبِ … ظَنًّا بِهِ، (وَالقَطْعُ ذُو تَصْوِيبِ (٢)

وَلَيْسَ شَرْطًا عَدَدٌ، وَمَنْ شَرَطْ … رِوَايَةَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا غَلَطْ)


(١) الأصل "شاذا". وحذفت الألف الأولى لضرورة البحر.
(٢) بعد أن عرف المؤلف الحديث الصحيح أراد أن يبين أثره وحكمه، وهل هو يوجب العلم القطعي اليقيني أو الظن، وهذه مسئلة فيها خلاف معروف، أما الحديث المتواتر لفظًا أو معنى، فإنه قطعي الثبوت، لا خلاف في هذا بين أهل العلم، وأما غيره من الصحيح فذهب بعضهم إلى أنه لا يفيد القطع، بل هو ظني الثبوت، وهو الذي رجحه النووي في التقريب، وذهب غيرهم إلى أنه يفيد العلم اليقيني، وهو مذهب داود الظاهري والحسين بن علي الكرابيسي والحارث بن أسد المحابسي وحكاه ابن خويذ منذاد عن مالك، وهو الذي اختاره وذهب إليه ابن حزم، قال في الأحكام: "إن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله يوجب العلم والعمل معا" ثم أطال في الاحتجاج له والرد على مخالفيه في بحث نفيس (ج ١ ص ١١٩ - ١٣٠٧).
واختار ابن الصلاح أن ما أخرجه الشيخان - البخاري ومسلم - في صحيحيهما أو رواه أحدهما: مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به. واستثنى من ذلك أحاديث قليلة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ، كالدارقطني وغيره، وهي معروفة عند أهل هذا الشأن. هكذا قال في كتابه (علوم الحديث) ونقل مثله العراقي في شرحه على ابن الصلاح عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي وأبي نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف، ونقله البلقيني عن أبي إسحاق وأبي حامد الاسفرائينيين والقاضي أبي الطيب والشيخ أبي إسحاق الشيرازي من الشافعية، وعن السرخسي من الحنفية، وعن القاضي عبد الوهاب من المالكية، وعن أبي يعلى وأبي الخطاب وابن الزاغوني من الحنابلة وعن أكثر أهل الكلام من الأشعرية، وعن أهل الحديث قاطبة، وهو الذي اختاره الحافظ ابن حجر والمؤلف. والحق الذي ترجحه الأدلة الصحيحة ما ذهب إليه ابن حزم ومن قال بقوله: من أن الحديث الصحيح يفيد العلم القطعي، سواء أكان في أحد الصحيحين أم في غيرهما، وهذا العلم اليقيني علم نظري برهاني لا يحصل إلا للعالم المتبحر في الحديث العارف بأحوال الرواة والعلل، وأكاد أوقن أنه هو مذهب من نقل عنهم البلقيني ممن سبق ذكرهم، وأنهم لم يريدوا بقولهم ما أراد ابن الصلاح من تخصيص أحاديث الصحيحين بذلك. وهذا العلم اليقيني النظري يبدو ظاهرًا لكل من تبحر في علم من العلوم وتيقنت نفسه بنظرياته واطمأن قلبه إليها، ودع عنك تفريق المتكلمين في اصطلاحاتهم بين العلم والظن، فإنما يريدون بهما معنى آخر غير ما=

<<  <   >  >>