(١) معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث فن من أهم فنونه وأدقها وأصعبها، قال الزهري: "أعيا الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ الحديث من منسوخه". والإمام الشافعي ﵁ كانت له يد طولى في هذا الفن، قال أحمد بن حنبل لابن وارة - وقد قدم من مصر - "كتبت كتب الشافعي؟! قال: "لا". قال " فرطت! ما علمنا المجمل من المفسر، ولا ناسخ الخديث من منسوخه -: حتى جالسنا الشافعي". وقد ألف الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي المتوفي سنة ٥٨٤ كتابًا نفيسًا في هذا الفن، سماه (الاعتبار في بيان الناسخ والمنسوخ من الآثار) طبع في حيدر آباد وحلب ومصر. ويعرف النسخ بأمور: منها: النص من رسول الله ﷺ، كحديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فكلوا ما بدا لكم" رواه مسلم عن بريدة. ومنها: قول الصحابي، كحديث جابر: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار" رواه أبو داود والنسائي، وكحديث أبي بن كعب: "كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام، ثم أمر بالغسل" رواه أبو داود والترمذي وصححه. ومنها: أن يعرف تاريخ الحديثين، فيكون المتأخر ناسخًا للمتقدم، كحديث شداد بن أوس مرفوعًا: "أفطر الحاجم والمحجوم" رواه أبو داود والنسائي، ذكر الشافعي أنه منسوخ بحديث ابن عباس: "أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم صائم" رواه مسلم، فإن ابن عباس إنما صحبه في حجة الوداع سنة ١٠ وفي بعض طرق حديث شداد أنه كان زمن الفتح سنة ٨. وإذا صح حديث وثبت إجماع الفقهاء المجتهدين علي ترك العمل به -: دل ذلك على أنه منسوخ، أي دل الإجماع على أن هناك نصًا آخر ناسخًا له لم يصل إلينا، لأن الإجماع لا يشخ ولا ينسخ. وتفصيل هذا في مباحث علم الأصول. (٢) الحفي - بوزن غني -: العالم يتعلم باستقصاء، والملحّ في سؤاله والجمع "حفواء" بوزن علماء. قاله في القاموس، ووقف عليه هنا كالوقف على المرفوع - مع أنه منصوب - على لغة ربيعة. (٣) قال النووي في التقريب: "هذا فن من أهم الأنواع، ويضطر إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف، وهو: أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهرًا، فيوفق بينهما، أو يرجح أحدهما. وإنما يكمل له =