للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

بِوَصْفِهِ بِغَيْرِ وَصْفٍ يُعْرَفُ … فَإِنْ يَكُنْ لِكَوْنِهِ يُضَعَّفُ

(فَقِيلَ: جَرْحٌ) أَوْ لِلاسْتِصْغَارِ … فَأَمْرُهُ أَخَفُّ كَاسْتِكْثَارِ

(وَمِنْهُ إِعْطَاءُ شُيُوخٍ فِيهَا … اسْمَ مُسَمًّى آخَرٍ تَشْبِيهَا (١))

[الإرسال الخفي والمزيد في متصل الأسانيد]

وَيُعْرَفُ الإِرْسَالُ ذُو الْخَفَاءِ … بِعَدَمِ السَّمَاعِ وَاللِّقَاءِ


= - بعد التسوية - قد رواه عن ثقة آخر، فيحكم له بالصحة أو يتحير، وربما لصق البلاء بالثقة مع براءته منه، وفيه غرر شديد. وممن اشتهر بهذا النوع "بقية بن الوليد" و"الوليد بن مسلم" مثال ذلك: أن بقية روى حديثًا عن عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الأسدي الجزري الرقي عن إسحاق بن أبي فروة عن نافع عن ابن عمر، وكل هؤلاء ثقات، إلا إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، فإنه ضعيف جدًّا، فجاء بقية فقال: "حدثني أبو وهب الأسدي عن نافع عن ابن عمر" وأبو وهب الأسدي هو عبيد الله بن عمرو؛ لأنه يكنى أبا وهب وينسب لبني أسد، فغيره بهذه الصفة كيلا يفطن له، وحذف من الإسناد "إسحاق بن أبي فروة" وجعل ظاهر الإسناد الصحة، فلا يفطن له إلا دقيق النظر من الحفاظ.
قال العلائي: "هذا النوع أفحش أنواع التدليس مطلقًا وشرها" وقال العراقي: "وهو قادح فيمن تعمد فعله" وقال شيخ الإسلام ابن حجر: "لا شك أنه جرح".
(١) تدليس الشيوخ: هو أن يسمي الراوي شيخه أو شيخ شيخه باسم أو كنية أو لقب غير ما اشتهر به وعرف، وهو عمل غير جيد أيضًا، فإن كان عمل هذا سترًا لضعف الشيخ، فقد قال بعضهم: إن هذا جرح فيمن فعله، والأصح أنه ليس بجرح، إلا إن قصد إلى إخفاء ضعف الحديث وإظهاره في مظهر الصحيح. وبعضهم يفعل هذا لأن شيخه صغير في السن أو متأخر الوفاة أو سع منه كثيرًا فامتنع من تكراره على صورة واحدة إيهامًا لكثرة الشيوخ، وكل هذه الصور غير مستحسنة، لما فيها من صعوبة معرفة الشيخ لمن لم يعرفه، فقد لا يفطن له الناظر فيحكم عليه بالجهالة. وهذا يحصل كثيرًا من الخطيب البغدادي وابن الجوزي وغيرهما. ومنع بعضهم إطلاق اسم "التدليس" على هذا النوع، والمسألة اصطلاح.
ثم إن لهم صورة أخرى عكس هذه: بأن يذكر الراوي شيخه بكنية أو لقب أو صفة تتفق مع صفة شيخ آخر مشهور تشبيهًا له به، كما يفعل ابن السبكي إذ يقول: "أخبرنا أبو عبد الله الحافظ" يريد "الذهبي" تشبهًا بالبيهقي إذ يقول هذا، ويريد به الحاكم، وكذا إبهام اللقي والرحلة، كان يقول "حدثنا من وراء النهر" يوهم أنه جيحون، ويريد نهر عيسى ببغداد أو الجيزة بمصر، وليس هذا بجرح قطعًا؛ لأنه من المعاريض، لا من الكذب، قاله الآمدي وابن دقيق العيد.
فائدة: نقل المؤلف في التدريب عن الحاكم قال: "أهل الحجاز والحرمين ومصر والعوالي وخراسان وإصبهان وبلاد فارس وخوزستان وما وراء النهر -: لا نعلم أحدًا من أئمتهم دلسوا، وأكثر المحدثين تدليسا أهل الكوفة ونفر يسير من أهل البصرة، وأما أهل بغداد فلم يذكر عن أحد من أهلها التدليس إلى أبي بكر محمد بن محمد بن محمد بن سليمان الباغندي الواسطي، فهو أول من أحدث التدليس بها".

<<  <   >  >>