= وأدنى من "الحافظ" درجة يسمى "المحدث" قال التاج السبكي في كتابه "معيد النعم" فيما نقله الناظم في التدريب (ص ٦): "من الناس فرقة ادعت الحديث فكان قصارى أمرها النظر في مشارق الأنوار للصاغاني، فإن ترفعت فإلى مصابيح البغوي، وظنت أنها بهذا القدر تصل إلى درجة المحدثين! وما ذلك إلا بجهلها بالحديث، فلو حفظ من ذكرناه هذين الكتابين عن ظهر قلب وضم إليهما من المتون مثليهما -: لم يكن محدثًا، ولا يصير بذلك محدثًا حتى يلج الجمل في سم الخياط! فإن رامت بلوغ الغاية في الحديث - على زعمها - اشتغلت بجامع الأصول لابن الأثير، فإن ضمت إليه كتاب علوم الحديث لابن الصلاح أو مختصره المسمى بالتقريب للنووي ونحو ذلك، وحينئذ ينادي من انتهى إلى هذا المقام: محدث المحدثين وبخاري العصر! وما ناسب هذه الألفاظ الكاذبة، فإن من ذكرناه لا يعد محدثًا بهذا القدر، إنما المحدث: من عرف الأسانيد والعلل، وأسماء الرجال، والعالي والنازل، وحفظ مع ذلك جملة مستكثرة من المتون، وسمع الكتب الستة ومسند أحمد بن حنبل وسنن البيهقي ومعجم الطبراني، وضم إلى هذا القدر ألف جزء من الأجزاء الحديثية، هذا أول درجاته، فإذا سمع ما ذكرناه وكتب الطباق ودار على الشيوخ وتكلم في العلل والوفيات والأسانيد -: كان في أول درجات المحدثين، ثم يزيد الله من يشاء ما يشاء". ودون هذين من يسمي "المسند" - بكسر النون - وهو الذي يقتصر على سماع الأحاديث وإسماعها من غير معرفة بعلومها أو إتقان لها، وهو الراوية فقط. وقد وصف التاج السبكي هؤلاء الرواة فقال: "ومن أهل العلم طائفة طلبت الحديث وجعلت دأبها السماع على المشايخ، ومعرفة العالي من المسموع والنازل، وهؤلاء هم المحدثون على الحقيقة، إلا أن كثيرًا منهم يجهد نفسه في تهجي الأسماء والمتون وكثرة السماع، من غير فهم لما يقرؤنه، ولا تتعلق فكرته بأكثر من أنِّي حصلت جزء ابن عرفة عن سبعين شيخًا، وجزء الأنصاري عن كذا كذا شيخًا، وجزء البطاقة ونسخة ابن مسهر، وأنحاء ذلك!! وإنما كان السلف يسمعون فيقرؤن فيرحلون فيفسرون، ويحفظون فيعملون". وأما عصرنا هذا فقد ترك الناس فيه الرواية جملة، ثم تركوا الاشتغال بالأحاديث إلّا نادرًا، وقليل أن ترى منهم من هو أهل لأن يكون طالبًا لعلوم السنة، وهيهات أن تجد من يصلح أن يكون محدثًا. وأما الحفظ فإنه انقطع أثره، وختم بالحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀، ثم قارب السخاوي والسيوطي أن يكونا حافظين، ثم لم يبق بعدهما أحد. ومن يدري: فلعل الأمم الإسلامية تستعيد مجدها وترجع إلى دينها وعلومها، ولا يعلم الغيب إلّا الله. وصدق رسول الله ﷺ: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبا كما بدأ". (١) في الأصل المقروء على المصنف "ثم المستعمل" وهو خطأ واضح.