الأخذ عن العلماء، فنزولهم أولى من العلوّ عن الجهلة، على مذهب المحققين من النقلة، والنازل حينئذ هو العالي في المعنى عند النظر والتحقيق. قال ابن الصلاح: ليس هذا من قبيل العلوّ المتعارف إطلاقه بين أهل الحديث، وإنما هو علوّ من حيث المعنى، قال شيخ الإسلام: ولابن حبان تفصيل حسن، وهو: أن النظر إن كان للسند فالشيوخ أولى، وإن كان للمتن فالفقهاء". وقد تغالى كثير من طلاب الحديث وعلمائه في طلب علو الإسناد، وجعلوه مقصدًا من أهم المقاصد لديهم، حتى كاد ينسيهم الحرص على الأصل المطلوب في الأحاديث، وهو صحة نسبتها إلى رسول الله ﷺ. وتأمل في كلمتي ابن المبارك والسلفي - اللتين نقلنا آنفًا - واجعلهما دستورًا لك في طلب السنة. والتوفيق من الله سبحانه. (١) المسلسل. هو ما تتابع فيه رجال الإسناد واحدًا واحدًا على صفة واحدة أو حال واحدة أو قول واحد. وهو أقسام كثيرة، تبعًا لكثرة الأحوال التي يتفق فيها الرواة، كان يكونوا جميعًا من الحفاظ أو من الفقهاء أو من النحويين. أو يكونوا من بلد واحد كالمصريين والدمشقيين، أو باسم واحد كالمسلسل بالمحمدين، وهكذا. قال ابن الصلاح (ص ٢٣٧): "وقل ما تسلم المسلسلات من ضعف، أعني في وصف التسلسل لا في أصل المتن". وقد عني علماء الحديث بهذا النوع جدًّا فصنفوا فيه مصنفات خاصة ذكر بعضها شيخي العلامة حافظ العصر السيد محمد عبد الحي الكتاني في كتابه (فهرس الفهارس والأثبات) المطبوع في مدينة فاس بالمغرب الأقصى (ج ٢ ص ٧٢ - ٨٠) ثم قال: "واعلم أن ما ذكرته من المسلسلات ليس هو غاية ما وجد، وإنما اقتصرت على ما قل مما كثر للاختصار". وقد ينقطع التسلسل في أثناء الإسناد كما في المسلسل بالأولية، وهو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ قال: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" فهذا الحديث رواه العلماء والحفاظ بالإسناد الصحيح المتصل إلى سفيان بن عيينة، وكل شيخ في الإسناد يرويه عمن سبقه ويقول: "وهو أول حديث سمعته منه" وقد رويته أنا عن شيخي وأستاذي الإمام العلامة السيد عبد الله بن إدريس السنوسي ﵀ في سنة ١٣٣٠ وعن شيخي الحافظ الغير السيد محمد عبد الحي الكناني في صفر سنة ١٣٥٢ وعن غيرهما من الشيوخ. ثم بعد سفيان بن عيينة تقف سلسلة الأولية فيرويه سفيان بدونهما عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس عن عبد الله بن عمرو. قال ابن حجر في شرح النخبة: "ومن رواه مسلسلًا إلى منتهاه فقدوهم". وهذا الحديث رواه البخاري في الكنى وفي الأدب المفرد، ورواه أبو داود والترمذي في السنن، ورواه الحميدي في مسنده، إلّا أنهم لم يرووه مسلسلا.=