(١) تجد أهل الحديث يبحثون عما يرويه الراوي ليتعرفوا ما إذا كان قد انفرد به أولا، وهذا البحث يسمى عندهم "الاعتبار" فإذا لم يجدوا ثقة رواه غيره كان الحديث "فردًا مطلقًا" أو "غريبًا" كما مضى، مثال ذلك: أن يروي حماد بن سلمة حديثًا عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، فينظر: هل رواه ثقة آخر عن أيوب؟ فإن وجد كان ذلك متابعة تامة، وإن لم يوجد فينظر: هل رواه ثقة آخر عن ابن سيرين غير أيوب؟ فإن وجد كان متابعة قاصرة، وإن لم يوجد فينظر: هل رواه ثقة آخر عن أبي هريرة غير ابن سيرين؟ فإن وجد كان متابعة قاصرة، وإن لم يوجد فينظر: هل رواه صحابي آخر عن النبي ﷺ غير أبي هريرة؟ فإن وجد كان متابعة قاصرة أيضًا، وإن لم يوجد كان الحديث فردًا غريبًا. كحديث "أحبب حبيبك هونًا ما" فإنه رواه الترمذي من طريق حماد بن سلمة بالإسناد السابق وقال: "غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه" قال المؤلف في التدريب: "أي من وجه يثبت، وإلا فقد رواه الحسن بن دينار عن ابن سيرين، والحسن متروك الحديث لا يصلح للمتابعات". وإذا وجدنا الحديث غريبًا بهذه المثابة، ثم وجدنا حديثًا آخر بمعناه، كان الثاني شاهدًا للأول، قال الحافظ ابن حجر: "قد يسمى الشاهد متابعة أيضًا والأمر سهل، مثال ما اجتمع فيه المتابعة التامة والقاصرة والشاهد: ما رواه الشافعي في الأم عن مالك بن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين". فهذا الحديث بهذا اللفظ ظن قوم أن الشافعي تفرد به عن مالك فعدوه في غرائبه، لأن أصحاب مالك رووه عنه بهذا الإسناد بلفظ: "فإن غم عليكم فاقدروا له". لكن وجدنا للشافعي متابعًا، وهو عبد الله بن مسلمة القعنبي، كذلك أخرجه البخاري عنه عن مالك، وهذه متابعة تامة. ووجدنا له متابعة قاصرة في صحيح ابن خزيمة من رواية عاصم بن محمد عن أبيه محمد بن زيد عن جده عبد الله بن عمر بلفظ: "فأكملوا ثلاثين" وفي صحيح مسلم من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بلفظ: "فاقدروا ثلاثين". ووجدنا له شاهدًا رواه النسائي من رواية محمد بن حنين عن ابن عباس عن النبي ﷺ، فذكر مثل حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر بلفظه سواء، ورواه البخاري من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة بلفظ: "فإن أغمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" وذلك شاهد بالمعنى. وظاهر صنيع ابن الصلاح والنووي يوهم أن الاعتبار قسيم للمتابعات الشواهد، وأنها أنواع ثلاثة. وقد تبين لك مما سبق أن الاعتبار ليس نوعًا بعينه، وإنما هو هيئة التوصل للنوعين: المتابعات والشواهد، وسبر طرق الحديث لمعرفتهما فقط.