(١) هذا باب دقيق من أبواب التعارض والترجيح بين الأدلة، وهو من البحوث الهامة عند المحدثين والفقهاء والأصوليين. فإذا روى العدل الثقة حديثًا وزاد فيه زيادة لم يروها غيره من العدول الذين رووا نفس الحديث -: فالقول الصحيح الراجح أن الزيادة مقبولة، سواء وقعت ممن رواه ناقصًا - كأن يروي الثقة الحديث مرة ناقصًا ومرة زائدًا - أم من غيره، وسواء تعلق بها حكم شرعي أم لا، وسواء غيرت الحكم الثابت أم لا، وسواء أوجبت نقض أحكام ثبتت بخبر ليست هي فيه أم لا. وهذا هو مذهب الجمهور من الفقهاء والمحدثين، وادعى ابن طاهر الاتفاق على هذا القول. وقد عقد الإمام الحجة أبو محمد علي بن حزم في هذه المسألة فصلا هامًا بالأدلة الدقيقة في كتابه الأحكام في الأصول (ج ٢ ص ٩٠ - ٩٦) ومما قاله فيها: "إذا روى العدل زيادة على ما روى غيره فسواء انفرد بها أو شاركه فيها غيره، مثله أو دونه أو فوقه -: فالأخذ بتلك الزيادة فرض، ومن خالفنا في ذلك فإنه يتناقض أقبح تناقض، فيأخذ بحديث رواه واحد ويضيفه إلى ظاهر القرآن - الذي نقله أهل الدنيا كلهم - أو يخصه به، وهم بلا شك أكثر من رواة الخبر الذي زاد عليهم آخر حكمًا لم يروه غيره، وفي هذا التناقض من القبح ما لا يستجيزه ذو فهم وذو ورع" ثم قال: "ولا فرق بين أن يروي الراوي العدل حديثًا فلا يرويه أحد غيره، أو يرويه غيره مرسلًا أو يرويه ضعفاء، وبين أن يروي الراوي العدل لفظة زائدة لم يروها غيره من رواة الحديث، وكل ذلك سواء واجب قبوله بالبرهان الذي قدمناه في وجوب قبول خبر الواحد العدل الحافظ، وهذه الزيادة وهذا الإسناد هما خبر واحد عدل حافظ، ففرض قبولهما، ولا نبالي روى مثل ذلك غيره أو لم يروه سواه، ومن خالفنا فقد دخل في باب ترك قبول خبر الواحد، ولحق بمن أبى ذلك من المعتزلة، وتناقض في مذهبه. وانفراد العدل باللفظة كانفراده بالحديث كله، ولا فرق". ثم إن في المسألة أقوالا أخرى كثيرة أشار المؤلف إلى بعضها هنا، وذكرها في التدريب تفصيلا، ولا نرى لشيء منها دليلًا يركن إليه. والحق ما قلناه. والحمد لله. نعم، قد يتبين للناظر المحقق من الأدلة والقرائن القوية أن الزيادة التي زادها الراوي الثقة زيادة شاذة أخطأ فيها، فهذا له حكمه، وهو من النادر الذي لا تبنى عليه القواعد.