للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَشَرُّهُ "التَّجْوِيدُ" وَالتَّسْوِيَةُ … (إِسْقَاطُ غَيْرِ شَيْخِهِ وَيُثْبِت

كَمِثْلِ "عَنْ" وَذَاكَ قَطْعًا يَجْرَحُ (١)) … وَدُونَهُ تَدْلِيسُ شَيْخٍ يُفْصِحُ


= بمعرفة أهل العلم أنه منقطع وأنهم قصدوا إلى روايته بغير إسناد. وإذا كان الراوي معاصرًا لمن روى عنه وثبت أنه لقيه وأتى في روايته بصيغة لا تقتضي السماع وروى بها ما لم يسمع كان هذا تدليسا، وسمي الراوي "مدلسًا". ومن ألفاظ التدليس وصيغه أن يسقط أداة الرواية ويسمي الشيخ فقط فيقول: "فلان عن فلان كما حكى علي بن خشرم قال: "كنا عند ابن عيينة فقال: الزهري، فقيل له: حدثكم الزهري؟ فسكت، ثم قال: الزهري، فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا، ولا ممن سعه من الزهري، حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري"، وهذا يسمى "تدليس القطع". ومنها أن يحدث عن شيخ بما سمعه منه ويعطف عليه شيخًا آخر لم يسمعه منه، مثل ما نقل الحاكم والخطيب عن هشيم: "أن أصحابه قالوا له: نريد أن تحدثنا اليوم شيئًا لا يكون فيه تدليس! فقال: خذوا، ثم أملى عليهم مجلسًا، يقول في كل حديث منه: حدثنا فلان وفلان، ثم يسوق السند والمتن، فلما فرغ قال: هل دلست لكم اليوم شيئًا؟! قالوا: لا، قال: بلى، كل ما قلت "وفلان" فإني لم أسمعه منه!! " ويسمى هذا "تدليس العطف" ومنه أن يقول: "حدثنا" ثم يسكت وينوي القطع ثم يذكر اسم الشيخ، كما نقل ابن سعد عن أبي حفص عمر بن علي المقدمي "أنه كان يدل تدليسًا شديدًا، يقول: سمعت وحدثنا، ثم يسكت، ثم يقول: هشام بن عروة، الأعمش" وهذا قبيح جدًّا.
وللتدليس أنواع كيرة ذكرها المؤلف في التدريب؛ وألف الحافظ برهان الدين سبط ابن العجمي المتوفى سنة ٨٤١ رسالة فيه وفي الرواة المدلسين طبعت في حلب، وكذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني رسالة طبعت في مصر.
وحكم التدليس أنه مذموم كله على الإطلاق، حتى بالغ شعبة بن الحجاج - أمام أهل الجرح والتعديل - فقال: "لأن أزني أحب إليّ من أن أدلس" وقال أيضًا: "التدليس أخو الكذب" قال ابن الصلاح: "وهذا منه إفراط محمول على المبالغة في الزجر عنه والتنفير" وذهب بعضهم إلى أن من عرف به صار مجروحًا مردود الرواية مطلقًا، وإن صرح بالسماع بعد ذلك. والصحيح الذي رجحه علماء الحديث أن ما رواه المدل بلفظ محتمل - لم يصرح فيه بالسماع - لا يقبل؛ بل يكون منقطعًا، وما صرح فيه بالسماع يقبل، وهذا كله إذا كان الراوي ثقة في روايته كما هو معروف بداهة، وفصل بعضهم تفصيلا آخر فقال: "إن كان الحامل له على التدليس تغطية الضعيف فهو جرح له؛ لأن ذلك حرام وغش، وإلا فلا".
وقد وقع في الصحيحين أحاديث كثيرة من رواية بعض المدلسين الثقات، ولم يصرحوا فيها بالسماع، كقتادة وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وعبد الرزاق، وهو محمول على ثبوت السماع من جهة أخرى غير التي ذكرها صاحب الصحيح.
(١) هناك نوع آخر سماه المتقدمون "التجويد" وسماه المتأخرون "تدليس التسوية" لما فيه من تجويد الإسناد وتسويته. وذلك بأن الراوي يذكر شيخه الذي سمع منه، ولكن يسقط أحد الرواة في الإسناد، لضعفه أو لصغره، تحسينًا للحديث، ويأتى به بصيغة محتملة للسماع، نحو "عن"، فيكون أصل الحديث عن ضعيف بين ثقتين لقي أحدهما الآخر، فيسقط الضعيف، ويروي الحديث عن شيخه الثقة عن الثقة الثاني فيستوي الإسناد كله.
وهذا شر الأقسام وأفحشها؛ لأن الثقة الأول قد لا يكون معروفًا بالتدليس، ويجده الواقف على السند =

<<  <   >  >>