فراسخ من حلب وحاصرها وملكها بالأمان في خامس عشري رجب، ثم غدر بأهلها، وقتل منهم وأسر، وتنصر قاضيها وأربع مئة نفس من أهلها، وأقام على بزاعة بعد أخذها عشرة أيام ثم رحل عنها بمن معه من الفرنج إلى حلب ونزل على قويق، وزحف على حلب وجرى بينه وبين أهلها قتال كثير، فقتل من الروم بطريق عظيم عندهم، فعادوا خاسرين إلى الأثارب وملكوها وتركوا فيها سبابا بزاعة، وتركوا عندهم من الروم من يحفظهم، وسار ملك الروم بجموعه نحو شيزر فخرج الأمير أسوار نائب زنكي [بحلب بمن معه](١) وأوقع بمن في الأثارب من الروم فقتلهم واستفك أسارى بزاعة وسباياها، وسار ملك الروم بجموعه إلى شيزر وحصرها ونصب عليها ثمانية عشر منجنيقا، فأرسل صاحبها أبو العساكر سلطان بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني إلى زنكي يستنجده فسار زنكي ونزل على العاصي بين حماة وشيزر، وكان يركب عماد الدين زنكي وعسكره كل يوم ويشرفون على الروم وهم محاصرون لشيزر بحيث يراهم الروم، ويرسل السرايا ويأخذون كل من وجدوه من الروم منفردا.
وأقام ملك الروم يحاصر شيزر أربعة وعشرين يوما (٣٧٢) ثم رحل عنها ولم ينل منها غرضا، وسار زنكي في أثر الروم فظفر بكثير ممن تخلف منهم، ومدح الشعراء زنكي بسبب ذلك، فمنه ما قاله مسلم بن خضر بن قسيم الحموي (٢): <الوافر>
لعزمك أيها الملك العظيم … تذلّ لك الصعاب وتستقيم
ألم تر أنّ كلب الروم لما … تبين أنه الملك الرحيم
وقد نزل الزمان على رضاه … ودان لخطبه الخطب العظيم
(١): ساقطة من الأصل، والإضافة من (أبو الفدا ٣/ ١٣). (٢): الأبيات باختلاف في بعض الألفاظ في: أبو شامة (الروضتين ١/ ١٢٤).