أن أكبر الأمراء إذا أذنب وبعث إليه الملك أخسّ من عنده حتى يعاقبه، فإنّه يلقي نفسه إلى الأرض بين يدي الرّسول وهو ذليل خاضع، حتى يمضي فيه ما أمر به الملك من العقوبة ولو كانت بذهاب نفسه.
وألزمهم ألاّ يتردّد الأمراء لغير الملك، فمن تردّد منهم لغير الملك قتل، ومن تغيّر عن موضعه الذي يرسم له بغير إذن قتل، وألزم السّلطان بإقامة البريد حتى يعرف أخبار مملكته بسرعة.
وجعل حكم اليّاسة لولده جفتاي بن جنكز خان؛ فلمّا مات التزم من بعده من أولاده وأتباعهم حكم اليّاسة كالتزام أوّل المسلمين حكم القرآن، وجعلوا ذلك دينا لم يعرف عن أحد منهم مخالفته بوجه.
فلمّا كثرت وقائع التّتر في بلاد المشرق والشّمال وبلاد القبجاق، وأسروا كثيرا منهم وباعوهم، تنقّلوا في الأقطار. واشترى الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب جماعة منهم سمّاهم «البحريّة»، ومنهم من ملك ديار مصر، وأوّلهم المعزّ أيبك. ثم كانت لقطز معهم الواقعة المشهورة على عين جالوت وهزم التّتار وأسر منهم خلقا كثيرا صاروا بمصر والشّام (١).
ثم كثرت «الوافديّة» في أيّام الملك الظّاهر بيبرس وملأوا مصر والشّام، وخطب للملك بركة ابن يوشى بن جنكز خان على منابر مصر والشّام والحرمين. فغصّت أرض مصر والشّام بطوائف المغل، وانتشرت عاداتهم بها وطرائقهم. هذا وملوك مصر وأمراؤها وعساكرها قد ملئت قلوبهم رعبا من جنكز خان وبنيه، وامتزج بلحمهم ودمهم مهابتهم وتعظيمهم (٢).
وكانوا إنّما ربّوا بدار الإسلام، ولقّنوا القرآن، وعرفوا أحكام الملّة المحمّديّة فجمعوا بين الحقّ والباطل، وضمّوا الجيّد إلى الرّديء، وفوّضوا لقاضي القضاة كلّ ما يتعلّق بالأمور الدّينية من الصّلاة والصّوم والزّكاة والحجّ، وناطوا به أمر الأوقاف والأيتام، وجعلوا إليه النّظر في الأقضية الشّرعيّة، كتداعي الزّوجين وأرباب الدّيون ونحو ذلك. واحتاجوا في ذات أنفسهم إلى الرّجوع لعادة جنكز خان والاقتداء بحكم الياسة. فلذلك نصبوا الحاجب ليقضي بينهم فيما اختلفوا فيه
(١) ناقش ديفيد آيالون الفقرة المطوّلة التي خصّصها المقريزي هنا للحديث عن «ياسة جنكزخان» في مقاله Ayalon، D.، «The Great Yasa of Chingiz Khan- A Re-examination: Al-Maqrlzi's Passage on the Yasa under the Mamluks»، SI ٣٨ (١٩٧٣)، pp. ١٠٧ - ٥٦. (٢) عن توافد «الوافديّة» على الدولة المملوكية انظر ابن عبد الظاهر: الروض الزاهر ١٣٥ - ١٣٨؛ ومقال آيالون: Ayalon، D.، «The Wafidiya and the Mamluk Kingdom»، IC ٢٥ (١٩٥١)، pp. ٨٩ - ١٠٤; Amitai- Preiss، R.، Mongols and Mamluks.The Mamluk -Ilkhanid War، Cambridge ١٩٩٥، pp. ١٠٦ - ١١٨.