هريرة، فأرسل إليهم عثمان يعزم عليهم بالانصراف فانصرفوا، وصلّى عثمان بالناس بعدما نزلت الجموع المذكورة بالمسجد ثلاثين يومًا، ثم منعوه الصلاة، فصلّى بالناس أميرهم الغافقي (١)، أمير جمع مصر، ولزم أهل المدينة بيوتهم، وعثمان محصور في داره، ودام ذلك أربعين يومًا وقيل خمسين، ثم إن (٢) عليًا اتفق مع عثمان على ما يطلبه الناس منه من عزل مروان عن كتابته، وابن أبي السرح عن مصر، فأجاب عثمان إلى ذلك، وفرّق علي الناس عنه، وولى عوض ابن أبي سرح محمد بن أبي بكر الصديق، وتوجه مع محمد بن أبي بكر عدّة من المهاجرين والأنصار، فبينما هم في أثناء الطريق وإذا هم بعبدٍ على هجين يُجْهِدُه، فقالوا له: إلى أين؟ فقال: إلى العامل بمصر، فقالوا: هذا عامل مصر، يعنون محمدًا، فقال: بل العامل الآخر، يعني ابن أبي سرح، فأمسكوه وفتشوه، فوجدوا مَعَهُ كتابًا مختومًا بختم عثمان يقول: إذا جاءك محمد بن أبي بكر ومن معه بأنك معزول فلا تقبل واحتل لقتلهم، وأبطل كتابهم، وقرّ في عملك، فرجع محمد من معه من المهاجرين والأنصار إلى المدينة، وجمعوا الصحابة وأوقفوهم على الكتاب وسألوا عثمان عن ذلك فاعترف بالختم، وخط كاتبه، وحَلَفَ بالله أنَّهُ لم يأمر بذلك، فطلبوا منه مروان ليسلمه إليهم بسبب ذلك فامتنع، فازداد حنق الناس عليه، وجدوا في قتاله، فأقام علي ابنه الحسن يذب عنه، وأقام الزبير ابنه عبد الله، وطلحة ابنه محمدًا، بحيث جُرح الحسن وانصبغ بالدم، وآخر الحال أنهم تسوروا على عثمان من دارٍ إلى جانب داره، ونزلت عليه جماعة فيهم محمد بن أبي بكر فقتلوه، وكان عثمان ﵁ حين قتل صائمًا يتلو في المصحف، وكان قتله لثماني عشرة ليلة خَلَتْ من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين.
(وكانت مدة خلافته اثنى عشرة سنة إلا اثني عشر يومًا، واختلف في عمره، فالصحيح أنه اثنان وثمانون سنة)(٣)
ومَكَثَ ثلاثة أيام لم يُدفن، لأن المحاربين له منعوا من ذلك، ثم أمر علي بدفنه.
(١) وفي رواية غير سيف: أن عليًا ﵇ أمر أبا أيوب الأنصاري بالصلاة حينًا وأمر سهل بن حنيف فصلي بالناس، حتى إذا كان يوم العيد صلّى بهم علي (انظر: تاريخ الطبري ٤/ ٤٢٣، وانظر: مروج الذهب ١/ ٥٥٤). (٢) تاريخ الطبري عن الواقدي ٤/ ٣٥٩ وما بعدها، وأنساب الاشراف ٥/ ٦٥. (٣) ما بين قوسين شطب عليه في الأصل.