نستطيع رفضه، كأنما غشينا من الرعب سدر، ومسَّ أعضاءنا خدر، والمعد تهيج بمرتها وتموج بدرتها، فشممنا ريح الموت، وأيقنا بالتلف والفوت، وانتظرنا فراق الصحب، وقضاء النحب، وبقينا في هم ناصب، وعذاب واصب، حتى انتهينا إلى جنف الجون، وصرنا في كن وصون، وهذا من البحر ما استشرى، وتنادينا بالبشرى، ثم توافينا الجزيرة الخضراء واقتضينا من السلامة النعمة الغضراء، يقل لها عتق الرقاب، وصيام الأحقاب، وكان القلاع إذا حظ سحابة سارت، أو بركة غارت، وأيقظنا من كان منا نائمًا، فاستوى على نفسه قائمًا، وحططنا في الزوارق رحلنا، ووضعنا فيها أرحلنا، فلم تلبث إلا نبضة عرق، أو كومضة، برق، ووطئنا الأرض جددا، ولبسنا أثواب الحياة جددا، ولكنني بقيت سائر يومي نضوا، لا أكاد أقل عضوا، من جهة المشقة، لا من بعد الشقة، فياله من يوم عصيب، لم آخذ فيه عن الحياة بنصيب، ولعل من لا يدري ما أصف يقضي بظنّه ولا ينصف، فحسب ذلك قصرًا في باعي وخورًا في طباعي، فأقول له إن الله تعالى جعل البحر إحدى الكبر، والعظمى من العبر، فذكره في آيات جمة، وأهلك فيه كثيرًا من الأمة يستوي فيه الرفيع والأنزل، والشاكي والأعزل، إذ لا كميّ يصارعه، ولا قوي يضارعه، جعلنا الله بآياته معتبرين، وعلى طاعاته مصطبرين، وقد كان لسان الوصف أفصح، ومكان القول أفسح، قال ﵇: حدث عن البحر ولا حرج، ولكني رميت الغرض القريب وأديت البناء الغريب. ويكفي من السيف ذبابه، ويغني عن القشر لبابه، وما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى، وكتبتُ أحرفي هذه بين سفر تعجّل، وتقصير مخجل، فإن مددت لقولها راحتك، ومهدت لقبولها ساحتك كانت زاد الماشي والراكب، وحملت على الرؤوس والمناكب.
ومنه قوله يصف جامع قرطبة:
إني شخصت لجامع قرطبة منشرح الصدر، لحضور ليلة القدر، والمسجد الجامع قد سر الله بقعته ومكانه، وثبت أساسه وأركانه، قد كسى برده الازدهاء، وجلى في معرض البهاء، كأن شرافاته فتول في سنان، أو أشر في أسنان، وكأنما ضرب على سمائه كلل، وخلعت على أرجائه حلل، وكأن الشمس قد خلّفت فيها ضياءها، ونسجت على قطاره أفياءها، ترى نهارًا قد أحدق به ليل كما أحدق بربوة سيل، ليل دامس، ونهار شامس، قد أترعت من السليط كؤوسها، ووصلت لمحاجن الحديد رؤوسها، ونصبت بسلاسل كالجذوع القائمة، أو كالثعابين العائمة، عصبت