أهل الجبال الشامخات والربي، قد نظمتك عناية هذا الأمير، مع أولاد أهل الجماعة، ليوث البسالة والشجاعة، الوارثين عن آبائهم مناهج البرّ المستبينة، المتمسكين بعروة الحق المتينة، فخلعت عن عنقك ربقة الإسلام، ولما دعاك الشيطان أظهرت له الاستسلام، ومحوت بسيئاتك ما كتب في صحفك من إخلاص ونصيحة وخدمة مشكورة صحيحة، فأتت لأخبار رسول الله ﷺ مع الشيطان تركض، ولعرى الدين ومعالمه تنقض، كفرت أيادي الموحدي وآلاءهم، وبسطت يدك في المسلمين تقتلهم وتمزق أشلاءهم، وتجرعهم من غصص اعتذارك ما يقطع أمعاءهم، أفمن كان على بيّنة من ربه كمن زين له سوء عمله، واتبعوا هواهم، يا عجبا، كيف، كنت لأهل اللئام الجفاة الطغام، أهل البغي والفجور، واستبدلت الفيافي عوضًا من مشيدات القصور، واقترفت كبار الكبائر، ورفضت ادخار الأجور، وما يستوي الأعمى والبصير، ولا الظلمات ولا النور ولا الظلّ ولا الحرور، فاعلم أنّ الله بالمرصاد، واقرأ أول النحل، وآخر صاد، وبادر مبادرة منيب، وثب من قريب، وسارع مسارعة مخلص بمثابه، وأت الأمر من بابه، قبل أن تلمع لك السيوف بوارقها، وسعت لك الحتوف بواشقها، فقد نهض الموحدون بنفوس عليك وعلى أوليائك حنقة، وقلوبهم للمنايا معتنقة، وكأن بك وقد ضاق بك البراح، ونقض عزيمتك الكفاح، ورفضتك الروابي والبطاح، فاتخذ الرجوع إلى الله، ثم إلى أهل الأمر سبيلا، واحذر أن تكون ممن قال الله فيهم: إن هؤلاء لا يحبّون العاجلة ويذرون وراءهم يومًا ثقيلًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، كيف أشمت بنفسك وأهلك العدى، وعرّضت للمحنة أهلًا وولدا، وقطعت بمباينة هذا الأمير ساعدًا شديدًا وعضدًا، وركبت هوى نفسك فكنت أضعف ناصرًا وأقل عددًا.
ولا يقنطك من العفو ما وقعت فيه من الجرم، وجنيته على نفسك من الظلم، فإن بادرت الإنابة (١)، ألفيت عند أمير المؤمنين كريم العفو وجميل الإجابة، وكنت ممن لم تغلب على حسناته سيئاته، ولا ممن غرست لديه الصنائع فحنظلت نخلاته، وقد سبقت لك خدمة مشكورة، فاتبعها الآن بتوبة مبرورة تكن الهفوة التي بينهما بمشيئة الله مغفورة، فالسعيد من بادر بالمتاب قبل التلف، وأقصد طلب العفو، فإن (وقته)(٢)