للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قنّة (١) طود رسى شامخها، وغرَّة أيام سال في وجه الظلماء شارِخُها، وباني مجد قديم لم تغيّره الحوادث، وباني جد كريم له تحصر في غيره الحوارث، وخبطت ليلة الفرقة الليلاء، وماجت بخيل الفرقة الخيلاء، وهو جيش تلك الدولة وعديدها. ورأس تلك المملكة وعميدها، فلما علم آخر الأمر من أوله، وعُرف ما بعد كسر الباب وفتح مقفله، توارى تحت ظل الخمول، وجعل طلب التقى قصارى المأمول. فظل ينقلب بين زعزع ورجاء، ويتعلّل بين شدّة ورخاء، متوقيًا من المعتضد مساورة الأرقم، ومتوقعًا مساواة العلقم، إلى أن استراح أينه، وأراح من حينه.

قال ابن بسام فيه (٢):

أفضى أمر اشبيلية إلى المعتضد عباد، وأبو حفص ذات نفسها، وآية (٣) شمسها، وناجذها الذي عنه تبتسم. وواحدها الذي به ينقض ويبرم، وكان بينه وبين عباد قبل إفضاء الأمر (إليه) (٤) ائتلاف (٥) الفرقدين، وتظاهر اليدين، واتصال الأذن بالعين، فلما ثبتت قدم المعتضد (٦)، أوجس منه ذعرًا، وضاق بمكانه صدرًا، وأحس (٧) بها أبو حفص، وكان ألمعيًا وذكيًا لوذعيًّا، لو أخطأ الحازم أجله، ونفعت المحتال حيله، فاستأذن المعتضد في الرحلة (٨)، فصادف غرّته، وكفي إلى حين معرّته، واحتل صقلية، تضيق عن فخره الآفاق، وتتهادى عجائب ذكره إلى الشام والعراق (٩) ثم حج وروى في طريقه كتاب البخاري. وعنه أخذه أهل المغرب. ثم رجع إلى الأندلس، ثم


= شاعر، عالم بالحديث من أهل أشبيلية، كان رتب لها، وصاحب صلاة الجماعة بقرطبة أيام عبد الرحمن بن معاوية وابنه هشام ولما قوي أمر المعتضد (عباد) توجس الهوزني منه خيفة وكان من قبل صديقًا له، فاستأذنه بالحج، فترك اشبيلية إلى مكة سنة ٤٤٤ هـ، وعاد فسكن مرسية. واستولى الافرنج على بريشتر فكتب إلى المعتضد يحضّه على الجهاد، فدعاه المعتضد إلى اشبيلية، فجاءها سنة ٤٥٨، فأظهر المعتضد التعويل عليه، فلما تمكن منه قتله بيده سنة ٤٦٠ هـ.
انظر: الذخيرة ق ٢ مج ١ ص ٨١ - ٩٤. والمغرب ١/ ٢٣٩ ونفح الطيب ١/ ٣٧٢. والأعلام ٥/ ٤٤.
(١) قنة الشيء: أعلاه.
(٢) الذخيرة ق ٢ مج ١ ص ٨٢.
(٣) كذلك في المغرب، وفي الذخيرة وإياه.
(٤) إليه ليست في الأصل، وهي في الذخيرة والمغرب، وبعدها: ومدار الرئاسة عليه.
(٥) في الأصل: الائتلاف.
(٦) بعدها في الذخيرة المغرب في الرئاسة، ودفع إلى التدبير والرئاسة.
(٧) في الأصل: وأوجس.
(٨) بعدها في الذخيرة والمغرب: سنة أربعين وأربعمائة.
(٩) بعده في الذخيرة: ثم رحل إلى مصر، وله هناك صوت بعيد، ومقام محمود، ووصل إلى مكة وروى في طريقه.

<<  <  ج: ص:  >  >>