للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ربيعة (١)، حسب الكتب من الكتائب، وكفاه اعتناق القضب من خرط القواضب، وأرى فهرًا لو ملكته يومئذ أعنتها، وجعلت إليه سيوفها وأسنّتها. لمات منها ضحاكية، (٢)، أو حي حياة فهرية (٣)، ولخر البيت وعموده، وضاع الرعيلُ ومَنْ يقوده. انتهى كلامه وبالله لقد ضحك منه في موضعه، وقطع جلده بمبضعه وأنكاه بكلمته التي هي أشد شرخًا من الحجر، وأحرّ وخزًا من الإبر، لقد ضربه على أخْدَعِهِ، ورماه على جنبه لمصرعه، وأنكاه للسكين، إلا أنها لا تذكى بها الذبائح، وغطاه إلا أنه هتكه بالفضائح، ومن أين هذا البطل وما ادعاه وكيف ترى جنانه الجبان لو وعاه، وماذا تراه كان يصنع والعوالي مطبقة، والأعادي محدقة، وأنّى سمت به همته حتى يتحمل عن هذا الحائن الميت حينه، فيقول يا ليتني بين العوالي وبينه، ثم إنه بهذا العقل يروم أن تملكه فهر أعنتها، وما حق فهر على الله أن هان، ولا أن يطير مع فرع السحاب منها أبان، لقد عرض هنا اللبيب نحره للمدى يبريه، وحبّب إلى هذا البطل الموت وهو كريه، لا بل هو بعض ما يسوّل له زور الدعوة ويريه، لشد ما طنّ الذباب، وفخر بملبسه الغراب، وتطاول الجندل وهو مجندل في التراب.

ثم أعود لبقية ما لابن عبدون فمنه قصيدته المشهورة التي ذكر فيها نكبات الأيام وكتاب الأنام قوله (٤):

الدهر يفجع بعد العين بالأثر … فما البكاء على الأشباح والصور

أنهاك أنهاك لا آلوك معذرة (٥) … عن نومةٍ بين ناب الليث والظُّفُرِ

فالدهر حرب وإن أبدى مُسالمة … والبيض والسمر (٦) مثل البيض والسُّمُرِ

فلا يَغُرّنك من دنياك نومتها … فما سجية (٧) عينيها سوى السهر


(١) يشير إلى قول عمر بن أبي ربيعة:
فيات مجني دون من كنت أتقي … ثلاث شخوص، كاعبان ومخصر
(٢) في الذخيرة ميتةً ضحاكية: إشارة إلى الضحاك بن قيس الفهري، ولي دمشق أيام معاوية ويزيد. ثم انحاز إلى عبد الله بن الزبير، فقتله مروان في مرج راهط.
(٣) في الذخيرة: فهرية قطنية: أي كانت حياته كما طالت حياة عبد الملك بن قطن الفهري والي الأندلس البيان المغرب ٢/ ٣٢.
(٤) شرحها ابن بدرون ونشرها دوزي، ونشرت بمصر من ١٣٤٠ هـ، وردت في الذخيرة مج ٢ ق ٢ ص ٢٧٠ ونهاية الأرب ٥/ ١٩٠ وبعضها في المغرب ١/ ٣٧٦ وأوردها الفتح كاملة في ترجمة المتوكل (القلائد ص ١٢٣).
(٥) في الذخيرة: موعظة.
(٦) في الذخيرة: السود والبيض.
(٧) في القلائد: صناعة.

<<  <  ج: ص:  >  >>