وبدره قد أخذ يتقهقر إلى خلفه. وشهر رمضان قد آن له أن تُغَلَّ فيه شياطين الأنام، ويُخْتَمَ فيه على الأفواه بالصيام. فألفوا الراهب وقد لبس مسحه وساح، وعزل الدير فما هبت فيه رائحة راح. فلما رأوا أن دَيْنَ رمضان قد حان حلول أجله، وأن وجه الدير الوقاح ما دبّتْ فيه من الخمر حُمرةُ خَجَلِهِ، خافوا أن يأتي الصيام، وما تشعشع سوى قنديل سُحُوره الذي بان. ولا مُلِكَ مُدامٌ يأتي منه أوائل وَرْدٍ في أواخر شعبان. فندب السراج إليه راهبًا من شباب الدير ليتبعه، وكتب معه: [من الخفيف]
ابلغ الفاضل الرئيس السلاما، … شَقَّ عن زهره الصباح كماما
قُلْ لَه: أيها الحكيم الذي في … دين عيسي قد برهن الأحكاما
كم رقبناك كالهلاك إلى أن … لُحْتَ للناظرين بَدْرًا تماما
يا أبا المِلَّةِ المسيحية ارحم … مَعْشرًا مُذْ ظَعَنْتَ عنهمْ يَتَامَى
فُطِمُوا من رضاع كأس الحُمَيَّا … وهي أنكى للمرضعين فطاما
واستحلوا وضع الصليب عن الرا … ووق من بعد حمله أعواما
عَدِمُوا راحة النفوس من الرا … ح، فدارك بالأنْفُسِ الأجساما!
وأطالوا حَبس المُدامة في الدن … ويكفي حبس المدامة عاما
ودعا الديك للصبوح فَهبوا … كالمحبين لا يَعُونَ المَلاما
فاسقهم من سلافة تطرد الهم … وعجل لهم بذاك اهتماما
وعسى قائل يقول لحظي … ونَصِيبي: أطلت في ذا الكلاما
كذب المدَّعِي وآخِرُ شَعبا نَ … يُناديني الصيام الصياما
دير البغل - وهو شمالي دير شعران. وبناؤه مثل بنائه في لحف جبل المقطم. وعليه نخل. وبه جمائع من الرهبان اليعاقبة.
قالوا: وسمي بدير البغل؛ لأنه كان به بغل لسقي الماء، تعود هذا وألفه. وكانوا إذا أطلقوه، أتى مورد الماء، وهناك من يملأ عليه. فإذا حمله أتى الدير بالماء.
خرج إليه السراج الوراق مع أبي المُفَضَّل بن العسال في جماعة من أهله. وأقاموا به أياما في لهو، يجرّون أعطاف الزهو. وكان بالدير غلام لا يتعداه أمل المقترح، ولا يحاكي ذوابل عيونه إلا النرجس المتفتح فألفه السراج الوراق وهو إلى وصل منه محتاج. فلما عادوا، قال السراج يذكر أيامه ويمدح أبا المُضَلَّ، ويذكر شيئًا كان عليه به قد تفضل: [من البسيط]
جنَاكَ من عارض في خده لاحا … ريحانة جاورَتْ من ريقه راحا
وما كفاه الشَّذَا الْمِسْكِيُّ بينَهُما … حتى جَلا من خَضِيب الخدّ تُفاحا