للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقال له فتى من المُجان الذين كانوا معي: ماتوا. قال: فأموت؟ فقال له: مُتْ فتمطى وتمدد. وما برحنا حتى دفناه.

وللصنوبري فيه، من شعر يقوله: (١) [من الوافر]

أمر بدير مُرَّانٍ فَأَحْيَا … وأجعل بيتَ لَهْوِي بيتَ لَهْيا

صفت دنيا دمشق لمصطفيها … فليس يُرِيد غير دمشقَ دُنيا

مُظَلَّلَةٌ فواكههن أبهى … وأنْضَرُ في نواظرنا وأهيا

فمِنْ تُفَّاحة لم تَعْدُ خدا، … ومن رمانة لم تَعْدُ ثديا

وقد ذكره أبو الفرج وقال: هو على تَلْعَةٍ مُشرفة على زعفران ورياض حسان. نزله الرشيد وشرب فيه. ونزله المأمون بعده. وكان الحسين بن الضحاك مع الرشيد، لما نزله، فأمره أن يقوله فيه شعرا، فقال: [من البسيط]

يا دير مُرَّانَ، لا عُرِّيتَ من سكن! … قد هِجْتَ لي حَزَنا، يا دير مُرَّانا

حث المدام فإن الكاس مُتْرَعةٌ … مما يهيج دواعي الشوق أحيانا

وأَمَرَ عمرو بن بانة، فغنى فيه لحنين.

وحكي عن إبراهيم الصولي أنه قال: مرّ الرشيد بدير مُرَّانَ فاستحسنه ونزله. وأمر أن يؤتى بطعام خفيف. فأتي به، فأكل؛ وأُتِيَ بالشراب والندماء والمغنين. فخرج إليه صاحب الدير، وهو شيخ كبيرٌ هَرم. فوقف بين يديه، ودعا له، واستأذنه في أن يأتيه بشيء من طعام الديارات. فأذن له فأتاه بأطعمة نظافٍ، وإدام في نهاية الحسن والطيب. فأكل منها أكثر أكل. وأمره بالجلوس، فجلس معه يحدثه، وهو يشرب. إلى أن جرى ذكر بني أُمَيَّة، فقال له الرشيد: هل نزل بك أحد منهم؟ قال: نعم. نزل بي الوليد بن يزيد، وأخوه الغَمْرُ. فجلسا في هذا الموضع، فأكلا وشربا وغُنّيا. فلما دبّ فيهما السكر، وثب الوليد إلى ذلك الجُرْن فملأه وشربه، وملأه وسقى أخاه، الغَمْرَ. فما زالا يتعاطيانه، حتى سكرا، وملاه لي دراهم. فنظر إليه الرشيد، فإذا هو عظيم لا يقدر على أن يُقلّه، ولا يقدر على أن يشرب ملاه. فقال: أبي بنو أُمَيَّة إلا أن يسبقوا إلى اللذات سبقا لا يجاريهم أحدٌ فيه. ثم أمر برفع النبيذ، وركب من وقته.

قلت: والناس في اختلاف: أينَ كان دير مُرَّان؟ فمن قائل إنه كان بمشارق السفح، نواحي برزة، والأكثر على أنه كان بمغاربه، وأن مكانه الآن المدرسة المعظمية، وأما الذي كان بمشارق السفح، فهو دير السائمة المسمّى دير صليبا. وقد ذكرناه.


(١) ديوانه - الملحق ٤٦٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>