للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثمر شجركم! ثم قال: يا صاحب دير سمعان! إنّي ميت من مرضي هذا. فحزن وبكى.

ثم قال له عمر: بعني موضع قبري من أرضك، سنةً، فإذا جاء الحول، فانتفع به. [وهذا الذي حكاه أبو الفرج مؤكد لقولنا] (١).

دير مُران (٢) - وهو بالقرب من دمشق، على تل في سفح قاسيون (٣) وبناؤه بالحص الأبيض. وأكثر فرشه بالبلاط الملوّن. وكان في هيكله صورة عجيبة دقيقة المعاني. وقلاليه دائرة به، وأشجاره متراكبة. وماؤه يتدفق.

وحكي عن المبرد أنه قال: وافيتُ الشأم - وأنا حَدَثُ في جماعة أحداث - لأكتب الحديث وألقى أهل العلم. فاجتزتُ بدير مُرَّان. فأحببت النظر إليه. فصعدناه، فرأيت منظرا حسنا. وإذا في بعض بيوته كهل مشدود حسن الوجه عليه أثر النعمة. فدنونا منه وسلَّمنا عليه فردّ السلام. وقال: من أين أنتم يا فتيان؟ قلنا: من أهل العراق. قال: بأبي ما الذي أقدَمَكم هذا البلد الغليظ هواؤه الثقيل ماؤه، الجفاة أهله. قلنا: طلب الحديث والأدب. فقال: حبَّذا! أتنشدوني أم أنشدكم؟ قلنا: بل أنشدنا. فقال: [من الكامل]

اللهُ يَعْلَمُ أنّنِي كَمِدُ … لا أستطيع أبُثُّ ما أجِدُ

رُوحَانِ لي: رُوح تقسمها … بلد وأُخرى حازها بلد

وأرى المُقيمة ليس ينْفَعُها … صبر وليس يَصُونُها جَلَدُ

وأظن غائبتي كشاهِدَتِي … بمكانها تجد الذي أجد

ثم أُغْمِيَ عليه. فأفاق فصاح بنا فقال: أتنشدوني أم أنشدكم؟ قلنا: بل أنشدنا.

فقال: [من البسيط]

لما أناخوا قُبيل الصبح عِيرَهُمُ … ورحلوا، فتنادت بالهوى الإبل

وأبرزت من خلالِ السَّجْفِ ناظرها … يرنو إلي ودمع العين منهمل

فودعت ببنانٍ حَمْلُهُ عَنَمٌ، … فقلتُ: لا حَمَلَتْ رِجَلاكَ يا جَمَلُ

ويلي من البين ماذا حل بي وبها … من بارح الوجد! حلَّ البين فارتحلوا

إنِّي على العهد لم أنقض مودتهم! … فليت شعري، لطول العهد ما فَعَلُوا


(١) ما بين المعقوفتين من هامش الأصل.
(٢) انظر: معجم البلدان ٢/ ٥٣٣ - ٥٣٤ مادة (دير مران) الديارات لأبي الفرج ١٥٤، البدور المسفرة ٣٤ - ٤٧، الديارات النصرانية ١٧٩ - ٢٠١.
(٣) ما بين المعقوفتين من هامش الأصل.

<<  <  ج: ص:  >  >>