لا يُنكر وليس يُسمع بدمشق لهذا الدير نابسة، ولا يُعرف لمكانه في غوطته خضراء ولا يابسة.
عدنا إلى ما ذكره الخالدي. قال: ذكروا أنه دخله جرير في يوم عيد. فرأى النساء والصبيان يقبلون الصَّلُبَ ويسجدون لها، فقال: [من الوافر]
رأيت بدير سمعانٍ صَليبًا … تقبله الشَّوادِنُ والظَّباء
تُعَظّمهُ القُسُوسُ وتحتويه … فتَرْشُفُه ويخْنُقُها البكاء
فقلت لهم: مه! هل غيرُ عُودٍ … تملكه اعوجاج واستواء؟
وذكر أن الوليد بن يزيد خرج متنزّها فيه. فأقام يصطبح ويغتبق معه ندماؤه ومغنوه. فخرج يومًا، غِبَّ سَحاب. فنظر في صحن الدير غدران ماء، فاستحسنها. فنزل على أكبرها وأكثرها ماء. وقال: والله لا أبرح حتى أشرب هذا كله، مزاجا لكأسي. وشرب حتى نام. فقال بعض أصحابه لبعض: لئن أقام حتى يُفنِي الغدير، طال علينا مقامنا. فجعلوا يحملون ماءه بالليل ويصبّونه في الرمال. فخرج بعد يومين أو ثلاثة، فنظر إليه وقد فني ماؤه. فقال: أنا أبو العباس وأمر بالرحيل إلى دمشق.
[ومما سمعته من والدي، لأحمد بن هلال، في صفة دير سمعان، مما مدح السيد الرضي لعمر بن عبد العزيز (١):
يا ابن عبد العزيز لو بكت … العينُ فَتًى من أُمَيَّةٍ، لبكيتك
أنتَ نَزَّهْتَنا عن السبّ والشَّتْم! … فلو يُمْكِنُ الجزا، لجزيتك
قبر سمعان، لا عَدَتْكَ الغَوَادِي! … خير ميت من آل مَرْوانَ مَيْتُكْ
وكان عمر بن عبد العزيز ﵁ تسبّب في إبطال السب عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وأثبت في الخطبة، موضع السب، ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ (٢)] (٣).
وقد ذكر أبو الفرج أن صاحب دير سمعان دخل على عمر بن عبد العزيز بفاكهة يُطرقه بها في مرضه. فقبلها منه، وأمر له بدراهم. فأبى أن يأخذها. فما زال حتى أخذها. وقال: يا أمير المؤمنين! إنّما هي من ثمر شجرنا. فقال عمر ﵀ وإن كان من
(١) ديوان الشريف الرضي ١/ ٢١٥.
(٢) سورة النحل: الآية ٩٠.
(٣) ما بين المعقوفتين من هامش الأصل.