قَالَ: فَطَرِبَ طَرَبًا عَظِيمًا، وأخذ رِفَاقَهُ، وقام وتَرَكَ الغَدَاءَ، وجعل يَنْقُرُ عليها مع حُنَيْنٍ، وأخذ كُلُّ مَن على المائدة رِقَاقَهُ، وجعلوا يَنْقُرون عليها مِثْلَهُ، ومضى يطلب باب الدهليز، وحُنَيْنٌ والندماء حوله، والحاجب قد جلس ينتظر جلوسه، وقد حضر وجوه العرب، فلما رآه الحاجب على تلك الحال، صاح بالناس: الحَرَمُ! الحَرَمُ! انصرفوا! انصرفوا! فخرجوا، فقال له: يا أمير المؤمنين! وفود العرب تنتظر جلوسك، وأنت تخرج إليهم على تلك الحال! فقال: ثكلتك أمُّك! ادخل، ودعا له بِرَطْلٍ، فحلف أنه ما ذاقه قط، فقال: والله لتشربَنَّ معي حتى أسكر، ولم يزل يسقيه، حتى مات سكرًا وانصرف محمولًا.
قُلْتُ: وهذا الدير اليوم لا عَيْن له ولا أثر، وإنما صار دورًا وأبنية ومساجد ومدافن، وهي بناحية مَحَلَّةِ حَمَّامِ النحاس، والله أعلم.
وبهذه المحلة داري التي بنيتُها ومساكني، وهَنَّتْهَا!
دَيْرُ يُونَّا (١) - وهو بجانب غوطة دمشق، ليس بكبير، ولا رهبانه بكثير، ولكنه في رياض مُشرقة، وأنهار متدفقة، ويقال إنه من أقدم دِيَرة النصارى، بُني بعد المسيح ﵇ بقليل.
واجتاز به الوليد بن يزيد، فرأى حسنه وطيبه، فأقام فيه أيامًا في تَخَرُّقٍ ومجون.
واستهنَّا بالناسِ فيمَا يَقُولُو … نَ إذا خُبِّرُوا بمَا قد فَعَلْنَا
قُلْتُ: وهذا الدير اليوم لا وجود له، قد أقفرت الأرض منه من رَسْم وطَلَلٍ، ومضى وحادثُ كل دير بعده جَلَلٌ.
دير سَمْعَان (٢) - قال الخالدي: هو بنواحي دمشق، بالقرب من الغوطة، على قطعة من الجبل، يُطِلُّ عليها، وحوله بساتين وأنهار، وموضعه حَسَنٌ جِدًّا، وهو من كبار الديرة، وعنده دُفن عمر بن عبد العزيز، بظاهره.
قُلْتُ: وهذا غلطٌ من الخالدي، وهكذا ذكره أبو الفرج، وغلط أيضًا، فإن هذا الدير في قرية تعرف بالنقيرة، من قِبلي مَعَرَّة النعمان، وبه قبر عمر بن عبد العزيز، مشهورٌ.
(١) انظر: معجم البلدان ٥٠٢/ ٢ مادة (دير يونا)، الديارات النصرانية ٢١١ - ٢١٣. (٢) انظر: معجم البلدان ٥١٧/ ٢ مادة (دير سمعان)، الديارات النصرانية ١٥٦ - ١٦٤.