إلى ناحية الرملة فرأى فيه جارية حسناء، ابنةً لِقَسٌ كان فيه فخدمته مدة مقامه ثلاثة أيام، وجاءته بشراب صافٍ عتيق. فلما أراد الانصراف أعطاها عشرة دنانير ورحل. وقال في طريقه: [من الطويل]
عليك سلام الله يا دير من فتى … بمُهْجَتِه شوق إليك طويل
ولا زال من نَوْءِ السِّماكَيْنِ وابل … عليك بما يَرْوِي تَرَاكَ هَطُولُ
يُعِلُّك منها بُرْهةً بعد بُرْهةٍ … سحاب بأخبار الرياض كفيل
إذا بلُّ أرضًا دمعُه بانَ مَنظرُ … بها لعيون الناظرينَ جميلُ
كأنَّ البروقَ الوامضاتِ بجوّهِ … صفائحُ زِنْبِرْ في السماءِ تجولُ
ألا ربَّ ليلٍ حالكٍ قد صدعتهُ … وليسَ معي غيرُ الحسامِ خليلُ
ومشمولةٍ أوقدتُ منها لصحبتي … مصابيحَ ما يَخبُو لهنَّ فَتيلُ
تُعلّلُني بالراحِ هيفاءُ غادةٌ … يُخالُ عليها للقُلوبِ كفيلُ
تجوّلُ المنايا بينهنَّ إذا غدتْ … ملاحظُها بينَ القلوبِ تجولُ
أيا ابنةَ قُرْنِ الديرِ قلبي مذلَّةٌ … عليكِ وجسمي مذ بعدتِ عليلُ
وفيه يقول أبو شاس (١): [من البسيط]
يا دير يونُسَ جَادَتْ سَرْحَكَ الدِّيَمُ … حتى تُرَى ناظرًا بالنور يبتسم
لم يَشْفِ في ناجر ماء على ظمأ … كما شَفِي حَرَّ قلبي ماؤُكَ الشَّيمُ
ولم يَحُلَّكَ محزون به سِقَمٌ … إلا تَحَلَّلَ عنه ذلك السِّقَمُ
أستغفرُ الله كَمْ لِي فيك ذُو غَنَجِ … جرى عليَّ به في رَبْعِ القَلَمُ
ويقول أيضًا: [من الكامل]
لا تَعْدِلَنَّ عن ابنة الكرم … بأبي ففيها صحة الجسم
لو لم يَكُنْ فِي شُرْبَها فَرَجَ … إلا التخلص من يد الهم
ويقول أيضًا أبو شاس: [من الوافر]
أعاذل ما على مِثْلي سَبِيلُ … وعذلك في المدامة مستحيل
أليس مَطِيَّتي حَقْوَي غلام … ورحل أناملي كأس شمول؟
إذا كانت بنات الكرمِ شُربي … وقبلة وجهى الوجه الجميل
(١) أبو شأس: قال الشابشتي: كان من أطبع الناس مليح الشعر كثير الوصف للخمر، ملازمًا للديارات، متطرحًا بها، مفتونًا برهبانها، ومن فيها.
انظر: الديارات ١٨١ - ١٨٢.