الصلاة. فجاوزته إلى غيره. فقال: سبحان الله! أين السلام؟ من ترى المجنون؟ أنا أم أنت؟ فاستحيْتُ منه وسلَّمت. فقال: لو كنت بدأتنا، لأوجبت علينا حسن الرد. على أنا نعتذر لك أن للداخل على القوم دهشةً. اجلس أعزك الله عندنا! وأومأ إلى موضع من حصيرة فنفضه، كأنه يوسع لي. وعزمت على الدنو منه، فمنعني قيمهم. فوقفتُ أستجلب مخاطبته. فسألني. فقال: من أين أنت؟ قلتُ: من البصرة. قال: أتعرف المازني؟ قلت: نعم. قال: أتعرف الذي يقول فيه (١): [من المقتضب]
وفتى من مازن ساد أهل البصره … أُمُّه معروفة وأبوه نَكِرَه
قلت: لا أعرفه. قال: أفتعرف غلامًا قد نبغ في هذا العصر، معه دين. وله حفظ. وقد برز في النحو، وصار يخلف صاحبه في مجلسه، يعرف بالمُبَرِّد. قلتُ: أنا عين الخبير به. قال: فهل أنشدك من عبثات شعره؟ قلت: لا أعرفه قال شعرًا. قال: بلى، هو القائل:[من مجزوء الكامل]
حبذا ماء العناقيد … بِرِيقِ الغانيات
بهما يَنْبُت لَحْمِي … ودمي أي نات
أيُّها الطالب شيئًا … من لذيذ الشَّهَواتِ:
كل بماء الورد تفا … حَ الخُدُودِ الناعمات
قلتُ: أما تستحي من إنشاد مثل هذا الشعر في الدير؛ فقال: سبحان الله. هل تستحيي أن تُنشد مثل هذا، حول الكعبة، دَع عنك هذا إني سمعتُ الناس يقولون في نَسَبِه. ثم لم يزل بي حتى عرفني. ثم قال: أحوجتني إلى الاعتذار إليك. ثم قام إلي ليصافحني. فرأيت القيد في رجله قد شدّت إلى خشبة في الأرض. فأمِنْتُ غائلته. ثم قال لي: يا أبا العباس! صُن نفسك عن الدخول إلى هذه المواضع. فليس يتهيأ لك كل وقت مصادفة مثلي على مثل هذه الحالة الجميلة! أنت المبرّد! أنت المبرد! وجعل يصفّق، وقد انقلبت عيناه وتغيرت حليته، فبادرت مُسرِعا، وخرجتُ.
دير يونس (٢) - حكى رجل من أهل أنطاكية قال: حدثني أبي قال: نزلت مع الفضل بن إسمعيل بن صالح بن عبد الله بن العباس (٣) في دير يونس، ونحن خارجون
(١) ديوان دعبل ١٢٤. (٢) انظر: معجم البلدان ٢/ ٥٠١ مادة (دير بولس) و ٢/ ٥٤٣ (مادة دير يونس). وقد خلط العمري بين الديرين وجعلهما واحدًا. (٣) الفضل بن إسماعيل بن صالح الهاشمي، أمير وشاعر عباسي، من أهل قنسرين. ترجمته في: معجم الشعراء ١٨١ - ١٨٢.