وقد كان وقع لي شيء من خبر النبي ﷺ، فقلتُ: قد سمعتُ بعض الناس يذكر ما سألت عنه. فقال: اعلم أنك وحق المسيح ستملك أكثر الأرض، وتُخرِجُ هِرَقْل من الشام، وتغلب عليها. فاكتب لي أمانا، ولديري. فقلتُ: يا هذا! ما أدري ما تقول. فقال: هو ما أقوله لك، وأنت هو لا محالة. فجعلتُ أعْجَبُ منه وأدفع قوله، وهو يُلح علي في سؤاله ذلك. فلما أطال، قلت: ما تريد؟ فقال: كتابك. وأتاني بقطعة من أدم، فكتبت له ما أملاه علي من ترك الخراج والوَصَاة به. ولفه مع كتابه ذلك. وأكرم مثواي. وبكرتُ غاديا من عنده. فأسرج لي حمارة وقال اركبها. فإنك ما تمر بدير، فيراها راهبه إلا أكرمك وإذا بلغت آخر دير يلي بلدك، فخلفها عند سكانه. وزوّدني وانصرفت.
فيقال إن عمر لما خرج إلى بيت المقدس، لقيه الراهب، وهو شيخ كبير، بكتابه وذكره الأمر. فقال عمر: هذا كتبته في الجاهلية، وقد أتى الله بالإسلام. ولا يحل لي تضييع فيء المسلمين. ولكنّي أقاطعك على خراجك بما فيه مصلحة لك ورفق بك. فقال: قد رضيتُ. فقاطعه على ما فيه رفق به.
قال الخالدي: ويقال إن الرهبان يتوارثون الكتاب إلى وقتنا هذا، وإن الولاة تمضيه لهم.
دير هزقل (١) - قال الخالدي: هو بالشأم. ولا أدري في قرب أي مدينة هو.
وقد ذكره دعبل بن علي حين هجا أبا عبّاد (٢)، كاتب المأمون، فقال:[من الكامل]
فكأنَّه من دير هرقل مُفْلَتٌ … حَنِقٌ يَجُرُّ سَلاسل الأقيادِ
وحكى المُبَرِّدُ قال دخلت دير هزقل. وسألت: رهبانه هل فيه مجنون طيب الكلام، نضحك أنا وصحبي منه؟ قالوا: هاهنا. وأومأوا إلى إيوان مرتفع في الدير. وقالوا: هم هناك. فإن أحببت النظر إليهم فامض ولا تَدْنُ من أحد. ففعلت. ورأيت مراتبهم على قدر بلاياهم. وكان معي وقت دنّوي منهم المتولي على أمورهم. فلما رأوه معي امتثلوا. فرأيت شيخًا منهم على حصير نظيف، ووجهه إلى القبلة، كأنه يريد
(١) انظر: معجم البلدان ٢/ ٥٤٠ مادة (دير هزقل). (٢) ثابت بن يسار الرازي، وزير المأمون وكاتبه مع عمرو بن مسعدة. ترجمته في: تاريخ دمشق ١١/ ١٤٥، الوافي بالوفيات ١٠/ ٤٧٢، تاريخ الطبري ١٠/ ٤٧٢، سير أعلام النبلاء ١٠/ ١٩٩.