وحكى الشابشتي: أن الحجاج قدم الكوفة فبلغه أن بين الحيرة والكوفة دير هند بنت النعمان، وهي متمكنة من عقلها ورأيها، فانظر إليها فإنها بقية. فركب، والناس معه، حتى أتى الدير، فقيل لها: هذا الأمير الحجاج بالباب: فاطلعت من ناحية الدير. فقال لها: يا هند! ما أعجب ما رأيتِ؟ قالت: خروج مثلي إلى مثلك لا تغترنَّ يا حجاج بالدنيا، فإنا أصبحنا ونحن كما قال النابغة لأبي:[من الطويل]
رأيتك من تَعْقِدْ له حبل ذمة … من الناس، يأمن سرجه حيثما ارتقى
ولم نمس إلا ونحن أذل الناس. وقل إناء امتلأ إلا انكفأ. فانصر الحجاج مُغْصَبا. وأرسل إليها من يخرجها من الدير، ويستأديها الخراج. فأخرجت، ومعها ثلاث جوار من أهلها. فقالت إحداهن:[من الخفيف]
خارجات يُسَقْنَ من دير هند … مُعلناتٌ بِذلَّةٍ وهَوانِ
ليت شعري! أأوّلُ الحَشر هذا … أم محا الدَّهرُ غَيْرَةَ الفِتْيَانِ؟
فشد فتى من أهل الكوفة على فرسه. فاستنقذهن من رُسُل الحجاج. وتغيب. فبلغ الحجاج شعرها وفعل الفتى. فقال: إن أتانا، فهو آمِنٌ؛ وإن ظفرنا به، قتلناه! فأتاه. فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: الغيرة. فوصله وخلاه.
وكان سعد بن أبي وقاص حين فتح العراق، أتى هندًا، إلى ديرها. فخرجت إليه وعرض عليها نفسه في حوائجها. فقالت: سأحييك بتحية كانت ملوكنا تُحَيَّا بها «شكرتك يد افتقرت بعد غنى، ولا مستك يد استغنت بعد فقر، ولا جعل الله لك إلى لئيم حاجة، ولا نزع عن كريم نعمةً إلا جعلك سببا لردّها عليه!» قال: ثم جاءها المغيرة، لما ولاه معاوية الكوفة. فاستأذن عليها. فقيل لها: الأمير على الباب! فقالت: قولوا له: من أولاد جبلة بن الأيهم أنت؟ فقال: لا. قالت: أفمن أولاد المنذر بن ماء السماء؟ قال: لا. قالت: فمن أنت؟ فقال: المغيرة بن شعبة الثقفي. قالت: فما حاجتك؟ قال: جئتُكِ خاطبًا. قالت: والصليب ما جئتني رغبة في مال، ولا شغفا بجمال. ولكن أردت أن تقول: نكحتُ ابنة النعمان. وإلا فأي فخر في اجتماع شيخ أعور وعجوز عمياء؟ إذهب! فبعث إليها فقال: كيف كان أمركم؟ قالت: سأختصر لك الجواب: أمسينا وليس في العرب أحد إلا وهو يرغب إلينا ويرهبنا، ثم أصبحنا وليس في الأرض أحد إلا ونحن نرغب إليه ونرهبه. قال: فما كان أبوك يقول في ثقيف؟ قالت: اختصم إليه رجلان، أحدهما ينميها إلى إياد والآخر ينميها إلى بكر بن هوازن. فقضى بها للإيادي، وقال:[من الرجز]