خرجَتْ من قصر أبيها تُريده فأقامت في الطريق سنة تنزل المضارب في نُزَةٍ وصيد. والمسافة بين قصر أبيها وبينه نحو الفرسخ. وشق له بشر بن مروان نهرا من الفرات. ولم يزل النهر يجري حتى خرب الدير.
وحكي أن النعمان كان يصلي به ويتقرب فيه، وأنه علق في هيكله خمسمائة قنديل من ذهب وفضة. وكانت أدهانها في أعياده من زنبق وبان وما شاكلهما من الأدهان، ويوقد فيه من العود الهندي والعنبر شيئًا يجل عن الوصف.
وفيما حكى الكلبي أن النعمان دخله في بعض أعياده، فرأى امرأة تأخذ قربانا، أخذت بقلبه. فدعا الراهب الذي قرّبها وسأله عنها. فقال: هي امرأة حكم بن عمرو اللخمي. فلما انصرف النعمان دعا عدي بن زيد، كاتبه. وأوقفه على الخبر وقال له: كيف الحيلة؟ فقال له: إذا كان بكرة غدٍ وحضر الناس الباب، فابدأ به في الإذن وأجلسه معك على سريرك. ففعل النعمان ذلك وأذن للناس بعده. فجعلوا يتعجبون. وانصرفوا. فقال النعمان لعدي بن زيد: قد فعلتُ ما أشرتَ به، فَمَنْ؟ قال: إذا أصبحت فاكسه واحمله. ففعل. ثم قال: احمل حوائج العرب إليه. ففعل. ثم قال النعمان لعدي بن زيد: قد طال هذا! قال: إذا أصبحت، فإن عندك عشر نسوة، فطلق أبغضهن إليك. ثم قل له: قد طابت نفسي لك بما لم تطب به لولد ولا أخ. قد طلقت لك فلانة، فتزوجها. ففعل ذلك. وخرج وهو لابس من حُلل النعمان، ولديه ما حمله عليه. فجلس وحكم بين العرب، وعدي بن زيد بالباب جالس. فقال له اللخمي: ما أدري ما أكافيء به الملك؟ فعل معي وفعل. فقال له عديّ: ما أقدرك على مكافأته! قال: وما هو؟ قال: طلق امرأتك كما طلق لك امرأته. قال: قد فعلت. فأنفذها إلى النعمان. وفي ذلك يقول الشاعر:[من البسيط]
عُلِّقْتها حُرَّةً حَوْراءَ ناعمةً … كأنها البدر في داج من الظلم
ما في البريَّة من أُنثى تُعادِلها … إلا التي أخذ النعمان من حَكَم
وقد ذكره أبو الفرج وقال: هند بنت النعمان صاحبة هذا الدير، هي الحُرَقَة. وهي التي دخلت على خالد بن الوليد. وآخر آمرها معه أنه أمر لها بمال ومعونة وكسوة. فقالت: ما لي إليه حاجة لي عبدان يزرعان مزرعة لي، أتقوَّت بها ما يُمسك رمقي. وقد اعتددت بقولك فعلا وبعرضك نقدا. فاسمع مني دعاءً أدعو به لك، كنا ندعو به لأملاكنا: شكرتُكَ يد افتقرت بعد غنّى، ولا ملكتك يد استغنت بعد فقر، وأصاب الله بمعروفك مواضعه!
قال: وهذا الدير يقارب دير بني عبد الله بن دارم بالكوفة، مما يلي الخندق.