للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حذرني النار ولم يَدْرِ ما … في القلب والأحشاء من ناره

حيرني تفتيرُ أجفانه … وحلَّ عَقْدِي عَقْدُ زُنّاره

وأقمنا بمكاننا ثلاثة أيام، ثم عدنا إلى الكوفة وقد عملت في تلك الأيام وغنّيت فيه (١): [من الهزج]

وبالحيرة لِي يَوْمٌ، … ويوم بالأكراح

إذا عزّ بنا الماء … مَزَجْنا الراح بالراح

وحكى الربيع عن بعض أهل الحيرة قال: كان في دير حنة خمار يقال له مرعبدا، موصوف بجودة الخمر ونظافة الآنية وملاحة الحانة. فحكى مر عبدا قال: ما شعرتُ يومًا وقد فتحت حانوتي وجلست إلى جانب الهيكل، إلا بثلاثة فوارس قد أقبلوا من طريق السماوة في البرّ، حتى وقفوا عليّ، وهم متلثمون بعمائم الخز وعليهم حلل القصب. فسلموا عليّ وأسفر أحدهم وقال: أنت مرعبدا، وهذا دير حنة؟ قلت: نعم. قال: قد وصفت لنا بجودة الشراب والنظافة، فاسقني رطلا. فبادرت فغسلت يدي ثم نقرت الدنان ونظرتُ أصفاها فنزلته فشرب، ومسح يده وفمه بالمنديل. ثم قال: اسقني آخر: فغسلت يدي وتركت ذلك الدَّنّ وذلك القَدَح والمنديل ونقرت دنا آخر. فلما رضيتُ صفاءه، بزلتُ منه رطلا في قدح، وأخذت منديلا جديدا. فناولته إياه فشرب كالأول. ثم قال: اسقني رطلا آخر. فسقيته في غير ذلك القدح وغير ذلك المنديل. فشرب ومسح فمه ويده. وقال لي: بارك الله فيك! فما أطيب شرابك وأنظفك وأحسن أدبك! وما كان دأبي أن أشرب أكثر من ثلاثة أرطال. فلما رأيت نظافتك دعتني نفسي إلى شرب رابع، فهاته فناولته إياه على تلك السبيل. فشرب وقال: لولا أسباب تمنع من بيتك لكان حبيبًا إلي جلوسي يومي هذا فيه. وولّى منصرفًا في الطريق الذي بدا منه. ورمى إلي أحد الراكبين اللذين كانا معه بكيس. فقلت وحق النصرانية! لا قبلته حتى أعرف الرجل. فقال: هذا الوليد بن يزيد بن عبد الملك! وصفت له، فأقبل من دمشق حتى شرب من شرابك ورأى ديرك والحيرة. ثم انصرف. فحللت الكيس فإذا هو أربعمائة دينار.

دير هند (٢) - وهي بنت النعمان بن المنذر بناه لها أبوها لتتعبّد فيه. فلما فرغ منه،


(١) ديوان جحظة ٦٤.
(٢) انظر: الديارات للشابشتي ٢٤٤ - ٢٤٥، معجم البلدان ٢/ ٥٤١ ٥٤٣ مادة (دير هند الصغرى). الديارات لأبي الفرج ١٦٥، البدور المسفرة ٢١ - ٢٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>