الثَّرْوَاني شيئًا يقرب من هذا المعنى، في هذا الدير؟ قال: قل. فأنشده:[من الهزج]
على الريحان والرَّاحِ … وأيام الأكيراح
وإبريق كطير الما … ء في لَجَّةِ ضَحْصَاحِ
سلام يُسْكَر الصاحي … وما فيه فتى صاح
ومن لي فيه بالسَّلْوَ ة … عن وَجْه ابن وَضَّاحِ؟
غزال صيع من … فِتْنَة أبدان وأرواح
إذا راح إلى البيعة … في أثواب أماح
ففي كفيه إفسادي … وفي كَفَّيه إصلاحي
قال: فاستحسن الأبيات وأمر كاتبا معه بكتبها. وخلع على الحسين بن هشام، وأجازه.
وحكى جحظة قال: زرتُ إبراهيم بن المدبر، وكان بالكوفة. فأكرمني، وأنس بي. وأقمت عنده ثلاثة أشهر. فجرى يومًا ذكر دير حنّة، فقال ابن المدبر: والله إني لأُحِبُّ أن أراه وأشرب فيه، فقد ذكر لي حُسنُه! فأين هو من الحيرة؟ فدله إسحاق بن الحسين العلوي عليه وقال له: في هذه الأيام ينبغي أن يُقصد، لأنها أيام ربيع ورياض معتمة بالزهر، والغدران والبادية بقربه، فلن نعدم أعرابيًا فصيحًا يطير إلينا، ونحن فيه، فيهدي إلينا بيض نعام، ويجني لنا الكمأة. فتقدم ابن المدبر إلى غلمانه بإعداد ما يُحتاج إليه. وخرج وخرجت حتى وافيناه. فإذا هو حسن البناء، والرياض محدقة به، ونهر الحيرة الذي يقال له الغدير بقرب منه. فضربت لنا خِيمٌ عنده. وخرج إلينا رهبانه، وحملوا إلينا مما عندهم من التحف واللطف فأكلنا وجلسنا نشرب. وغنيته بشعر أبي نُواس المتقدّم. فبينا نحن كذلك، إذا اجتاز بنا غلامٌ حَسَنٌ، عارضه كأنه بدر على غصن، معه مصحف من مصاحف النصارى كامل العقل، ساحر اللحظ واللفظ. فشرب ابن المدبر على وجهه رطلا، وسقاه قَدَحا. واستأذنه الغلام في النهوض، وقال: معي مصحف لا تتمّ للرهبان صلاة إلا بحضوره. وهذا وقت صلاتهم، وقد ضربوا الناقوس منذ ساعة. وأخذ عليه العهد في الرجوع إليه، وأمر له بمائة دينار. وعملتُ شعرًا صنعت فيه صوتًا. فما زال صوته طول مُقامه. وهو (١): [من السريع]
فَدَيْتُ مَنْ مَر بنا مُسْرِعًا … يَسْعَى إلى الدير بأسفاره