للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

نسبا إليهما. وهما بديعتا البناء.

وفي الدير وفيهما يقول الثرواني: [من الكامل]

دير الحَرِيقِ وقُبَّة السُّنِّيقِ … مَغْنى لحلف مُدامةٍ وفُسُوق

وطن لفرقته شرقْتُ بدمعتي … ولرحلتي عنه غَصِصْتُ بريقي

حكى حمزة بن أبي سلامة، قال: كان الثرواني جاري بالكوفة، وكان كثير الإلمام بالديرة، فباكرني في يوم شعانين وقال لي: اعزم بنا اليوم على الشرب في دير الحريق؛ لأنه يوم سيقصده فيه خلق. ولي به صديق من رهبانه ظريف، مليح القلاية، جيد الشراب. فهلم! ننزه أعيننا فيما نراه من الجواري والغلمان، ثم نعدل إلى قلاية صديقنا فنشرب على سطحها المشرف على الرياض. فخرجنا فرأينا من النساء والوصائف والولدان في الحُلي والحُلل ما لم أر مثله قط. فلم يزل يعبث ويتعرّض، ويقبل ويعانق - وكان معروفا بذلك - فما أحد ينكر عليه فعله، إلى بعد الظهر. ثم أتينا قلاية صديقه الراهب، فلقيه بالإكرام والترحيب. فدخلنا قلايته. فما رأينا أنظف من آلاتها، ولا أنضر من بستانها. ثم قدم لنا شيئًا من طعامه، فأصبنا منه. ثم صعدنا سطحها، وجلسنا ننظر إلى منظر يبهر حسنًا وجمالًا: من رياض وغدران وطير يصفر. ونحن نشرب حتى ثملنا ونمنا هناك. وغدونا على الكوفة. فقلت له: تترك هذا اليوم مع حسنه، عاطلا من حُليّ شعرك؟ فقال: لا والله! ولقد عملت في ليلتي هذه، هذه الأبيات. ثم أنشدني: [من الوافر]

خرجنا في شعانين النصارى … وشيعْنا صَلِيبَ الجائليق

فلم أرَ مَنْظَرا أحلى بعيني … من المتقينات على الطريق

حملن الخوص والزيتون حتى … بلغن به إلى دير الحريق

أكلناهن باللحظات عشقًا … وأضمرنا لهنَّ على الفسوق

دير ابن مزعوق (١) - وهو بالحيرة، قريب دير الحريق. في أنزه البقاع زهرًا ورقيق هواء وتدفق ماء. وتشوّق إليه الشَّرواني من بغداد، فقال: [من الكامل]

دير الحريق وبيعة المزعوقِ … بين الغَدِيرِ وقُبَّة السُّنّيقِ

أشهى إلي من الصَّرَاة وطيبها … عند الصباح ومن دُجى البطريق

يا صاح! فاجتنب الملام أما ترى … سَمِجا مَلامَك لي، وأنت صديقي؟

وقد ذكره أبو الفرج، وأنشد للثرواني فيه وفي دير فاثيون قوله: [من المنسرح]


(١) انظر: الديارات للشابشتي ٢٣٠ - ٢٣٢، معجم البلدان ٢/ ٥٣٧ مادة (دير المزعوق).

<<  <  ج: ص:  >  >>