للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان الطب عليه أغلب والسبب إليه أجلب فكان به ارتفاقه، ومنه إنفاقه، وكان له هجو يُجرع المهجو سم الأساود، وسقمًا كلما برأ منه يعاود، هذا إلى ملح أظرف من غرائب البحار وألطف من النسيم إذا عبث بأعطاف الأشجار.

قال ابن أبي أصيبعة (١): كان يعاني صناعة الطب ويباشر أعمالها، ويعد من الموصوفين فيها إلا أن الشعر غلب عليه، وكان كثير النوادر، وبينه وبين الحيص بيص شنآن و تهاتر، وكانا قد يصطلحان وقتًا، ثم يعودان إلى ما كانا عليه وهو الذي ألصق بالحيص بيص هذا اللقب، وذلك لأن السلطان السلجوقي لما قصد بغداد في أيام المقتفي وهم عسكرها بالخروج إليه، وكان الناس من ذلك في حديث كثير وحركة زائدة، فقال: مالي أرى الناس في حيص وبيص، فكلفت كلمة أبا القسم هذا، فألصق به هذا اللقب.

قلت: كان الحيص بيص على ما هو منه معروف، فخرج يتمشى ليلًا حيث لا يقدم إلا الأبطال، ولا يمشي إلا من قصر عنده باع الخوف وطال، فمر بكلبة مجرية رآها فما خافها، وهي تسطو بأنياب وأظفار، وتهول مثل الليل بلا إسفار، فنبحت عليه نباحًا ظن به أن الجبال عليه قد أطبقت أو الجيوش به قد أحدقت، فامتشق سيفه وخطا إليها، وقدم قدمه، وأقدم عليها ثم دهش للخوف من بأسها، فأضلها وإنما أصاب بالسيف جروًا لها، فقال أبو القاسم: [البسيط]

يا معشر الناس، إن الحيص بيص أتى … بفعلة أورثته الخِزْيَ في البَلَدِ

هو الجبان الذي أبدى شَجاعتَهُ … على جُرَي ضعيف البطش والجَلَدِ

فأنشدت أُمه، مِنْ بعدما احتسبت … دمَ الأُبَيلِق عند الواحد الصَّمَدِ

أقول للنفس: تأساءً وتعزيةً … إحدى يدي أصابتني ولم تُرِدِ


= يعرف الطب والحكالة، وديوانه مشهور، وقد هجا الحيص بيص وهو الذي شهره بهذا اللقب. توفي سنة ٥٥٨ هـ/ ١١٦٣ م. ترجمته في: خريدة القصر (قسم العراق) ٢/ ٢٧٠، والمنتظم ١٠/ ٢٠٧ رقم ٣٠٠ (١٨/ ١٥٧ - ١٥٨ رقم ٤٢٥١)، وأخبار الدولة السلجوقية ١٢٠، وعيون الأنباء في طبقات الأطباء ٣٨٠? ٣٨٩، ووفيات الأعيان ٦/ ٥٣ - ٦١، وسير أعلام النبلاء ٢٠/ ٣٣٩ - ٣٤٠ رقم ٢٣١، وصفحة ٣٧٧، ومرآة الجنان ٣/ ٣١٥، ولسان الميزان ٦/ ١٨٩، وفوات الوفيات ٢/ ٣١٤، ومفتاح السعادة ١/ ٧١٤، ومرآة الزمان ٨/ ١٨٧، والأعلام ٨/ ٧٥، وتاريخ الإسلام (السنوات ٥٥١ - ٥٦٠ هـ) ص ٢٧٥ رقم ٢٩٦.
(١) عيون الأنباء ٣٨٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>