للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يكون هكذا ما يستحل أن نمنعه فصار من أجل تلامذته.

ومن نوادره أن مريضًا عرض له المالنخوليا، وكان يعتقد أن على رأسه دنًا وأنه لا يفارقه أبدًا، وكان كلما مشى يتحايد المواضع التي سقوفها قصيرة، ويمشي برفق، ولا يترك أحدًا يدنو منه حتى لا يميل الدن أو يقع على رأسه وبقي هذا المرض مدة طويلة وهو في شدة منه، وعالجته جماعة من الأطباء، ولم يحصل بمعالجتهم تأثير ينتفع به، وأنهى أمره إلى أوحد الزمان ففكر أنه ما بقي شيء يمكنه أن يبرأ منه إلا بالأمور الوهمية، فقال لأهله: إذا كنت في الدار فأتوني به، ثم إن أوحد الزمان أمر أحد غلمانه بأن ذلك المريض إذا دخل عليه وشرع في الكلام، وأشار إلى الغلام بعلامة بينهما أنه يسارع بخشبة كبيرة فيضرب بها فوق رأس المريض على بعد منه كأنه يريد كسر الدن الذي يزعم أنه على رأسه، وأوصى غلامًا آخر وكان قد أعد معه دنًا في أعلى السطح أنه متى رأى ذلك الغلام قد ضرب فوق رأس صاحب المالنخوليا أن يرمي الدن الذي معه بسرعة إلى الأرض. ولما كان أوحد الزمان في داره، وأتاه من غير علم المريض فأقبل عليه وقال: لا بد أن أكسر هذا الدن وأريحك منه، ثم أدار تلك الخشبة التي معه وضرب بها فوق رأسه بنحو ذراع وعند ذلك رمى الغلام الدن من أعلى السطح، فكانت له وجبة عظيمة وكسر قطعًا كبيرة، فلما عاين المريض ما فعل به ورأى الدنَّ المتكسر تأوه لكسرهم إياه، ولم يشك أنه هو الذي كان على رأسه بزعمه وأثر فيه الوهم أثرًا برئ به من علته تلك. وهذا باب عظيم في المداواة وقد جرى أمثال ذلك لجماعة من المتقدمين مثل جالينوس وغيرهم في مداواتهم بالأمور الوهمية.

وحكى أبو الفضل تلميذ أبي البركات المعروف بأوحد الزمان قال: كنا في خدمة أوحد الزمان في عسكر السلطان ففي بعض الأيام جاءه رجل ذا داحس إلا أن الورم كان ناقصًا وكان يسيل منه صديد قال: فحين رأى ذلك أوحد الزمان بادر إلى سلامية إصبعه فقطعها، قال: فقلنا له: يا سيدي لقد أجحفت في المداواة، وكان يغنيك أن تداويه بما يداوى به غيرك، وتبقي عليه أصبعه ولمناه، وهو لا ينطق بحرف، قال: ومضى ذلك اليوم وجاءه في اليوم الثاني رجل آخر مثل ذلك سواء، فأومأ إلينا بمداواته وقال: افعلوا في هذا ما ترونه صوابًا، قال: فداويناه بما يداوى به الداحس فاتسع المكان وذهب الظفر، وتعدى الأمر إلى ذهاب السلامية الأولى من سلاميات الأصابع وما تركنا دواء إلا داويناه به ولا علاجًا إلا عالجناه ولا لطوخًا إلا لطخناه به ولا مسهلًا إلا وسقيناه، وهو مع ذلك يزيد ويأكل الأصبع أسرع أكل، وآل أمره إلى القطع فعلمنا أن فوق كل ذي علم عليم.

<<  <  ج: ص:  >  >>