تفتحت، وهذا الدواء من شأنه تغليظ الدم، وتكثيف المسام.
قال: ومن مروءته أن ظهر داره كان يلي النظامية، فإذا مرض فقيه نقله إليه، وقام في مرضه عليه، فإذا برئ وهب له دينارين وصرفه.
ومما حكاه أيضًا عن أمين الدولة وكأنه قد تجاوز في هذه الحكاية قال: وكان أمين الدولة لا يقبل عطية إلا من خليفة أو سلطان، فعرض لبعض الملوك النائية داره مرض مزمن فقيل له: ليس لك إلا ابن التلميذ، وهو لا يقصد أحدًا فقال: أنا أتوجه إليه. فلما وصل أفرد له ولغلمانه دورًا وأفاض عليه من الجرايات قدر الكفاية، ولبث مدة فبرئ الملك وتوجه إلى بلاده وأرسل إليه مع بعض التجار أربعة آلاف دينار وأربعة تخوت عتابي وأربعة مماليك، وأربعة أفراس، فامتنع من قبولها وقال: إن علي يمينًا، لا أقبل من أحد شيئًا، فقال التاجر: هذا مقدار كثير، قال: لما حلفت ما استثنيت. وأقام شهرًا يراوده ولا يزداد إلا إباء. فقال له عند الوداع: ها أنا أسافر ولا أرجع إلى صاحبي، وأتمتع بالمال فتتقلد منته، وتفوتك منفعته، ولا يعلم أحد بأنك رددته. فقال: ألست أعلم في نفسي إني لم أقبله، فنفسي تشرف بذلك، علم الناس أو جهلوا.
وحدثنا الحكيم مهذب الدين عبد الرحيم بن علي، قال: حدثني الشيخ موفق الدين أسعد بن الياس بن المطران، قال: حدثني توما وأبو الفرج المسيحي، قالا: كان الأجل أمين الدولة ابن التلميذ جالسًا ونحن بين يديه اسأذنت عليه امرأة ومعها صبي صغير، فأدخلت عليه، فحين رآها بدرها، فقال: إن صبيك هذا به حرقة البول، وهو يبول الرمل، فقالت: نعم. قال: فيستعمل كذا وكذا وانصرفت. قالا: فسألناه عن العلامة الدالة على أن به ذلك، وأنه لو أن الآفة في الكبد أو الطحال لكان اللون من الاستدلال مطابقًا. فقال: حين دخل رأيته يولع بإحليله ويحكه، ووجدت أنامل يديه مشققة قاحلة، فعلمت أن الحكة من الرمل، وأن تلك المادة الحادة الموجبة للحكة والحرقة ربما لامست أنامله عند ولوعه بالقضيب فتقحل وتشقق، فحكمت بذلك وكان موافقًا.
ومن نوادر أمين الدولة وحسن إشارته: أنه كان يومًا عند المستضيء بالله، وقد أسن أمين الدولة. فلما نهض للقيام توكأ على ركبتيه، فقال له الخليفة: كبرت يا أمين الدولة. فقال: نعم يا أمير المؤمنين، وتكسرت قواريري، ففكر الخليفة في قول أمين الدولة وعلم أنه لم يقله إلا لمعنى قد قصده، وسأل عن ذلك، فقيل له: إن الإمام المستنجد بالله كان وقد وهبه ضيعة تسمى قوارير، وبقيت في يده زمانًا، ثم من مدة ثلاث سنين حط الوزير يده عليها. فتعجب الخليفة من حسن أدب أمين الدولة، وأنه لم ينه أمرها إليه، ولا عرض بطلبها. ثم أمر الخليفة بإعادة الضيعة إلى أمين الدولة، وأن لا