به شيمه من مآثر، وحلت باديه مما لا يقدر عليه مكاثر، حتى كان يناظر جلة الفقهاء وجملة أهل العلم سوى السفهاء، ويفترس الأدباء، ويفترش لمواطيه الأطباء، ويضرب بقلمه عصا ابن البواب، ويطرف طرف طرسه مقلة ابن مقلة بفاضل الجلباب، وهو على دينه المخالف، وقعود ملته في الخوالف تكره الصدور وتحبره حبرة البدور.
قال ابن أبي أصيبعة (١): هو الأجل موفق الملك أمين الدولة أبو الحسن هبة الله بن أبي العلاء صاعد بن إبراهيم بن التلميذ أوحد زمانه في صناعة الطب، ومباشرة أعمالها. وكان في أول أمره قد سافر إلى بلاد العجم، وبقي بها سنين كثيرة في الخدم وكان جيد الخط يكتب المنسوب في نهاية الحسن والصحة. وكان عارفًا بالسرياني والفارسي متبحرًا في العربية. وله شعر مستظرف، وهو من بيت كتابة، وكان هو وأوحد الزمان يخدمان المستضيء، وكان أوحد الزمان أبصر بالحكمة وابن التلميذ أبصر بالطب، وكان بينهما شنآن إلا أن ابن التلميذ كان أعقلهما وخيرهما فعلًا، وسعى أوحد الزمان عليه حتى كاد يرديه ثم ردَّ عليه كيده فوهب ماله ودمه لابن التلميذ فعفا عنه، وإنما قال فيه [الطويل].
لنا صديقٌ يهودي حماقتُهُ … إذا تكلم تبدو فيهِ مِنْ فِيهِ
يتيه والكلب أعلى منه منزلةٌ … كأنهُ بَعْدُ لم يخرج مِنَ التَّيْهِ
وقد قيل فيهما:[الوافر]
أبو الحسن الطبيب ومقتفيه … أبو البركات في طرف نقيض
فهذا بالتواضع في الثَّرَيَّا … وهذا بالتكبر في الحضيض
قال عبد اللطيف البغدادي: كان أمين الدولة حسن العشرة، كريم الأخلاق، وعنده سخاء ومروءة، وأعمال في الطب مشهورة، وحدوس صائبة. منها أنه أحضرت إليه امرأة محمولة لا يعرف أهلها في الحياة هي أم في الممات، وكان الزمان شتاء، فأمر بتجريدها وصب الماء المبرد عليها صبًا متتابعًا كثيرًا، ثم بنقلها إلى مجلس دفي قد بخر بالعود والند، ودثرت بأصناف الفراء ساعة، فعطست وتحركت وقعدت وخرجت ماشية مع أهلها إلى منزلها.
قال: ودخل إليه رجل مترف يعرق دمًا في زمن الصيف، فسأل تلاميذه وكانوا خمسين نفسًا، فلم يعرفوا المرض، فأمره أن يأكل خبر شعير مع باذنجان مشوي، ففعل ذلك ثلاثة أيام فبرئ. فسأله أصحابه عن العلة، فقال: إن دمه قد رق ومسامه قد