للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

على ابن ماسويه ورهط ابن ماسويه من أهل جنديسابور ويكرهون أهل الحيرة فكره ذات يوم من العبادي كثرة سؤاله فطرده، وقال له: شأنك أن تكون صيرفيًا، فخرج من عنده وآلى أن يتعلم لغة يونان كأحسن ما يكون، فجمعني به مجلس فإذا بإنسان له شعرة قد جللته، وقد ستر وجهه عني ببعضها، وطفق ينشد شعرًا بالرومية لأوميرس رئيس شعراء الروم، فعرفته بنغمته، وكان عهدي به بعيدًا، فاستكتمني حاله وسألني الستر عليه، فبقيت أكثر من ثلاث سنين أو أربع لم أره، ثم أني دخلت على ابن بختيشوع وقد انحدر من معسكر المأمون، فوجدته عنده وقد ترجم له أقسامًا قسمها بعض الروم في كتاب من كتب جالينوس، وهو يخاطبه بالإنجيل ويقول له: يا زين حنين يعني أيها المعلم، فأعظمت ما رأيت وتبين ذلك جبريل في وجهي فقال: لا تستنكرن ما ترى من تبجيلي هذا الفتى، فوالله إن مُدَّ له في العمر ليفضحن الأول ثم خرج حنين وتبعته، فوجدته ينتظرني فسلم عليَّ وقال: كنت سألتك ستر خبري والآن أسألك إظهاره وإظهار ما سمعت جبريل يقوله في فقلت: إني أسود وجه ابن ماسويه بما سمعته، فقال: تمام سواد وجهه أن تدفع إليه هذه النسخة ولا تعلمه من نقلها فإذا استدعى بها أعلمه أنها إخراجي، ففعلت ذلك من يومي. فلما قرأ ابن ماسويه تلك الفصول وهي التي يسميها اليونان «الفاعلان» قال: أترى المسيح أوحى في دهرنا هذا إلى أحد، فقلت له: ما أوحى المسيح في هذا الدهر ولا في غيره إلى أحد، ولا كان إلى أحد من يوحي إليه، فقال له: دعني فليس هذا إلا إخراج مؤيد بروح القدس، فقلت له: هذا إخراج حنين بن إسحاق الذي طردته وأمرته أن يعمل صناعة الصيارف، فقال: هذا محال ثم صدق القول، وسألني التلطف في إصلاح ما بينهما ففعلت، وأفضل عليه، ثم لم يزل له مبجلًا، ثم لازم ابن ماسويه وأخذ عنه صناعة الطب، ونقل له كتبًا كثيرة، ثم لما رأى المأمون في منامه كأن شيخًا بهيًا جالسًا على منبر وهو يخطب ويقول: أنا أرسطاطاليس، احضر حنين بن إسحاق وسأله عنه فأخبره فأمره بنقل كتب الحكماء إلى اللغة العربية، وبذل له أموالًا جمة، وقيل للخليفة إن ملك الروم ربما دَسَّهُ عليك، فكان لا يأخذ بقوله بمفرده، ثم أراد اختباره فخلع عليه وأعطاه خمسين ألف درهم، ثم قال له: إني أريدك تصف لي دواءً أقتل به عدوًا لي سرًا، فقال: إني لم أتعلم إلا الأدوية النافعة، وما علمت أن أمير المؤمنين يطلب مني غيرها، فإن أحب أن أمضي وأتعلم فعلت ذلك، فقال: هذا شيء يطول ورغبه ورهبه، وهو لا يزيد على قوله فحبسه في بعض القلاع، ووكل من يأتيه بأخباره، فمكث سنةً غير مكترث بما هو فيه دأبه النقل والتفسير والتصنيف، ثم أحضره وأحضر له أموالًا وغيرها وسيفًا ونطعًا يرهبه

<<  <  ج: ص:  >  >>