وهذه واقعة مشهورة، لا حاجة إلى الإطالة بها.
ومكان هذا الملعب عمر بنو خُليف القصر المنسوب إليهم.
وحكى ابن ظافر (١): أن ابن قلاقس حضر يوما عند بني خليف [بظاهر الإسكندرية] في قصر رسا بناؤه وسما، وكاد يمزّق بمزاحمته أثواب السما. قد ارتدى جلابيب السحائب، ولاث عمائم الغمائم. وابتسمت ثنايا شُرفاته، واتسمت بالحُسن حنايا غُرفاته. وأشرف على سائر نواحي الدنيا وأقطارها، وحبته السحائب بما اؤْتُمنتْ السحب عليه من ودائع أمطارها. والرمل بفنائه قد نشر تبره في زبرجد كرومه، والجو قد بعث بذخائر الطيب إليه لطيمة نسيمه. والنخل قد أظهرت جواهرها، ونشرت غدائرها.
والطل ينثر لؤلؤه في مسارب النسيم ومساحبه، والبحر يرعُد [غيظا] من عبث الرياح به.
فسأله بعض الحضور أن يصف الموضع الذي تمت محاسنه، وغبط به ساكنه. فجاشت لذلك لُجَجُ بحره، وألقت إليه جواهره لترصيع لبة ذلك القصر ونحره، فقال: [من الكامل]
قَصْرٌ بمَدْرَجة النسيم تحدثت … فيه الرياض بسرها المستور (٢)
خفض الخورنق والسدير سموه … وثني قصور الرُّومِ ذاتَ قُصور
لات الغمام عمامةً مِسْكَيَّة … وأقام في أرض من الكافور
غنى الربيع به محاسن وصفه … فافر عنْ نَوْرٍ يروقُ [ونُورِ]
فالدَّوْحُ يسحب حُلَّة من سُندُس … تزهو بلؤلؤ طلّها الموفور
والنخل كالغيد الحسان تقرطت … بسبائك المنظوم والمنثور
والرمل في حبكِ النسيم كأنما … أبدى غُضُونَ سوالف المذعور
والبحر يرعد متنهُ فَكَأَنه … درع تُسَنُّ بِمَعْطِفَيْ مقرور
وكأننا، والقصر يجمعُ شَمْلَنا، … في الأفق، بين كواكب وبدور
وكذاكَ دَهْرُ بني خُليف لم يزل … يثني المعاطف في خبير حُبُورِ
ومن ذلك مدينة لبدة (٣): وهي خراب يباب. بهما صنمان عظيمان من الرخام الأبيض، في زي امرأتين. وغالب بناء هذه المدينة - في جدرها وسقوفها وفرش دياراتها وأرضها - من الرخام الأبيض. وكان يجري إليها وادٍ يُصب إلى البحر الشامي
(١) بدائع البدائع ص ١٧٥، ونفح الطيب ٢/ ١٧٤ - ١٧٥. (زكي).
(٢) ديوان ابن قلاقس ٤٤٨ - ٤٤٩.
(٣) اسمها الجغرافي القديم «البتيس». Leptis (زكي).
انظر: معجم البلدان ٥/ ١٠ مادة (لبدة).