تحت قاعدة، وفوقه قاعدة. يقال إنه لا نظير له من العمد في علوه ولا في استدارته. ويُحكى عنه حكايات منها ما هو مسطّر في الصحف، ومنها ما هو مستفيض على الألسنة. مما لا نرى ذكره.
- ومن ذلك المنارة (١) بها. وشهرتها كافية. ولم يبق منها إلا ما هو في حكم الأطلال الدوارس، والرسوم الطوامس.
[وقد كانت المنارة مسرح ناظر، ومطمح أمل حاضر؛ طالما جمعت أخدانا، وكانت لجياد الخواطر ميدانًا.
حكى ابن ظافر (٢) أن ابن قلاقس والوجيه ابن الذوري طلعا المنارة. والوجيه يومئذ في عنفوان [شبابه و] صباه، وهبوب شماله في الجنوب وصباه. وابن قلاقس مغرم به، مُغرى بحبه، مكب على تهذيبه، مبالغ في تفضيض شعره وتذهيبه. ولم تكن وقعت بينهما تلك الهناة، ولا استحكمت بينهما أسباب المهاجاة فاقترح عليه ابن قلاقس أن يصف المنارة. فقال [بديها]: [من الطويل]
وسامية الأرجاء تُهدي أخا السُّرى … ضياء، إذا ما حندِسُ الليل أظلما
لبست بها بُرْدًا من الأنس ضافيًا … فكان بتذكار الأحبّةِ مُعْلَمَا
وقد ظللتني من ذراها بقبة … ألاحظ فيها من صحابي أنجما
فَخُيّل أنَّ البحر تحتي غَمَامةٌ … وأني قد خيَّمتُ في كبد السما
فاشتد سرور ابن قلاقس وفرحه، وقال يصفها ويمدحه (٣): [من البسيط]
ومنزل جاور الجوزاء مرتقيا … كأنما فيه للنَّسْرَيْن أوكار
راسي القرارة سامي الفرع في يده … للنون والنور أخبار وآثار
أطلقت فيه عنان النظم فاطردت … خيل لها في بديع الشعر مضمار
ولَمْ يَدَعْ حَسَنًا فيه أبو حَسَنٍ … إلا تحكم فيه كيف يختار
حلى المنارة لما حلّ ذِروتها … بجوهر الشعر بحر منه زخار
ما زال يُذْكِي بها نار الذكاء إلى … أن أصبحتْ عَلَمًا في رأسه نار
ومن ذلك الملعب بها. وقد كان له عيد يجتمعون إليه فيه، في كل سنة، وتُرمى به كرة. فمن وقعت في كمه، آل إليه الملك. وحضره عمرو بن العاص في الجاهلية، ووقعت الكرة في كمّه. فقالوا: أخَرَمت العادةُ؟ فإن مثل هذا لا يُمَلَّك.
(١) انظر: معجم البلدان ١/ ١٨٢ - ١٨٩ مادة (الاسكندرية).
(٢) بدائع البدائه ص ١٣٨.
(٣) ديوانه/ الملحق ٦١٠.