للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

زعم من قال ذلك. والأغلب أنه لم يتجاوز دمشق؛ لأنه إنما حُمل إلى يزيد بن معاوية.


= في أحداث سنة ٢٣٦ هـ من أن الخليفة المتوكل أمر (الزيريج) بالمسيرة إلى قبر الحسين بن علي رضوان الله عليهما وهدمه. فتناول (الزيريج) مسحاة وهدم أعالي قبر الحسين وانتهى هو ومن معه إلى الحفرة وموضع اللحد فلم يروا آثارًا للرأس، وبعيد أن نتصور أن الرأس قد بلي في ذلك الوقت المبكر، إذ لاحظنا أن أرض كربلاء رملية تحتفظ بالعظام لآلاف السنين.
وكذلك القول بوجود الرأس برباط مدينة مرو بخراسان، منقوض من أساسه، لأن أبا مسلم الخراساني الذي قيل إنه نقل الرأس من دمشق لما استولى عليها وبنى عليه الرباط بمرو، لم يكن موجودًا بالشام وقت فتحها، ولأنه من غير المقبول أن يأذن الخليفة عبد الله بن علي بن العباس لمولاه أبا مسلم بنقل الرأس الشريف لكي يدفنه بمرو، ولأن الخليفة نفسه لو ظفر بالرأس لأظهره للناس ليزدادوا كما قيل بحق - غضبًا على بني أمية.
أولًا: أن مقتل الحسين حدث خطير وله ما بعده، ولو طيف بالرأس في البلاد بقصد التشفي كما ورد في بعض المراجع، لأدى ذلك بغير شك إلى فتنة، بل وليس من المستبعد أن يؤدي إلى خلع يزيد نفسه، لأن الناس جميعًا حتى أولئك المناصرين ليزيد طمعًا في الكسب المادي، كانوا يحترمون الحسين، ويعظمونه في حياته ويستعظمون ما حدث له ويأسفون على تفريطهم في نصرته بعد وفاته. يضاف إلى ذلك أن يزيد نفسه ندم على قتله ودمعت عيناه لما وضع الرأس بين يديه وقال: ويحكم، قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، رحم الله أبا عبد الله، فكيف مع ذلك بأمر بأن يطاف بالرأس في البلاد!
ثانيًا: ومن المعقول والمرجح أيضًا أن يكون الرأس قد ظل في خزائن السلاح بدمشق حتى ولي سليمان بن عبد الملك سنة ٩٦ هـ فحمل الرأس كما ورد في بعض المراجع في تابوت وعطره ثم صلى عليه ودفنه في مقابر المسلمين أي بعد أن هدأت الفتنة ومضى عليها أكثر من ثلاثين عامًا.
أما الرواية التي تقول بوجود الرأس بعسقلان، فيؤخذ عليها أن مرجعًا لم يحدد الوقت الذي نقل فيه الرأس إليها، اللهم إلا تلك الرواية التي تقول بأن الرأس قد طيف به في البلاد بأمر يزيد، فلما وصل إلى عسقلان دفن هناك، وقد بينا فيما تقدم منافاة هذه الرواية لواقع الحال، واستبعدنا أن يصدر ذلك عن يزيد مراعاة لمصلحته الخاصة. وإذا أسقطنا من حسابنا هذه الرواية فكيف جاء الرأس إلى عسقلان؟ هناك من يقول بأن القبر الذي بناه سليمان بن عبد الملك للرأس نبش بعد ذلك وأخذ منه الرأس ونقل في وقت ما إلى عسقلان. ونبش القبر قد يكون صحيحًا، لأنه أمر متوقع ولا يبعد حدوثه، ولكن ما السبب في اختيار مدينة عسقلان بالذات لتكون مقر الرأس، وهي مدينة لم تحدثنا كتب التاريخ بأنها كانت مركزًا من مراكز الشيعة، اللهم إلا إذا أريد أن يكون الرأس في مكان قريب من بيت المقدس من جهة أخرى قريب من الساحل حتى يسهل إخراجها من المشرق حيث لاقى الشيعة الكثير من اضطهاد الأمويين أولًا ثم العباسيين ثانيًا، ونقلها في يسر إلى شمال إفريقيا وبلاد المغرب حيث اتجه عدد عظيم من الشيعة.
ومهما يكن من أمر فقد بان في حكم المؤكد أنه لم يكن في القرن الخامس الهجري وجود للرأس في دمشق بل كان في مدينة عسقلان للأسباب الآتية:
أولًا: يؤيد وجود الرأس بعسقلان في العصر الفاطمي نص تاريخي منقوش على منبر المشهد. =

<<  <  ج: ص:  >  >>