للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عُقدت عليه قبة في صحنه، وفي صحن في ركن النسر من داخل الرواق، وفي جميع مشاهده وزياداته، وفي ميضأة اتخذت أسفل المنارة الشرقية منه. هذا إلى ما في حضرة باب البريد والزيادة وتحت الساعات من مياه جارية، وأسواق قائمة، وسُرُج تتقد ليلا كالأنجم، وبيوت ذات مناظر تملأ عين الناظر المتوسم.

فأما القبة فما لا يجول مثلها في ظنّ، ولا يدور في فكر. قد تعلّق رفرفها بالغمام عابثا، وحلّق طائرها إلى أخويه النسرين يبغي أن يكون لهما ثالثا. قد بنيت على قناطر، ممتدة على قناطر، بعقود محكمة، وقطع صخور مُنظّمة، إلى سقوف مُذْهَبَه، ومحاسن موجزة مسهبة.

وعلى رأس القبة هلال عال في أنبوبة، طول الرمح قد غُلّفت هي وكل الأسطحة بالرصاص. وحُكمت ميازيبه، وجمع فيه من كل حَسَن غريبه.

قال أبو محمد بن زُبر القاضي (١): سمي باب الساعات؛ لأنه عمل هناك بيكار الساعات، يُعلم بها كل ساعة تمضي. عليها عصافير من نُحاس وحيّة من نحاس وغراب من نحاس. فإذا تمت الساعة خرجت الحيّة، وصفرت العصافير، وصاح الغراب، وسقطت حصاة في الطست.

وكان في الجامع قبل حريقه طلسمات لسائر الحشرات، مُعَلَّقةً في السقف فوق البطائن. ولم يكن يوجد في الجامع شيء من الحشرات قبل الحريق. فلما احترقت الطلسمات، وُجِدتُ ومما كان فيه طلسم للصنونات (٢) لا تعشعش فيه. ولا يدخله غراب. وطلسم للفأر، وطلسم للحيات والعقارب. وما أبصر الناس فيه من هذا شيئا إلا الفأر. وفيه طلسم للعنكبوت.

وكان حريق الجامع في نصف شعبان سنة إحدى وستين وأربعمائة.

وكان سببه أن أمير الجيوش بدرًا الجمالي ورد من مصر إلى دمشق في هذه السنة. فلما كان بعد العصر يوم نصف شعبان، وقع القتال بين المشارقة والمغاربة.

فضربوا دارا كانت مجاورة للجامع بالنار، فبادرت إلى الجامع. وكانت العامة تعاون المغاربة. فتركوا القتال وقصدوا إطفاء النار من الجامع. فجل الأمر وعظم، فجعلوا يبكون ويتضرعون.


(١) تاريخ دمشق ٢/ ٤٧.
(٢) هو الطائر المعروف باسم السنونو عند العرب وباسم عصفور الجنة عند عامة مصر. واسمه Hirondelle. الفرنسي (زكي).

<<  <  ج: ص:  >  >>