قلت: وكذا ذكره الحافظ أبو القاسم ابن عساكر.
والفسيفساء مصنوع من زجاج يذهب ثم يطبق عليه زجاج رقيق. ومن هذا النوع المسحور. وأما الملون فمعجون.
وقد عمل منه في هذا الزمان شيء كثير برسم الجامع الأموي وحصل منه عدة صناديق وفسدت في الحريق الواقع سنة أربعين وسبعمائة، وعمل منه قبل للجامع التنكزي ما على جهة المحراب.
غير أنه لا يجيء تماما مثل المعمول القديم في صفاء اللون وبهجة المنظر.
والفرق بين الجديد والقديم أن القديم قطعة متناسقة على مقدار واحد، والجديد قطعة مختلفة. وبهذا يعرف الجديد والقديم.
وروى الوليد بن مسلم عن ابن ثوبان قال: ما ينبغي أن يكون أحد أشدّ شوقًا إلى الجنة من أهل دمشق، لما يرون من حسن مسجدها.
وروى أحمد بن البرامي بسنده عن عبد الرحيم الأنصاري قال: سمعتُ [بعض] الأعراب وهم يدورون المسجد، يقولون: لا صلاة بعد القليلة. فقيل له: رأيتَ القُلَيْلَة؟
قال: نعم وهي تضيء مثل السراج. قلت: مَنْ أخذها. قال: أما سمعت المثل؟ «منصور سرق القلة، وسليمان شرب المرّة» منصور الأمير، وسليمان صاحب الشرطة، يعني صاحب شرطته. وذلك أن الأمين كان يحب البلور. فكتب إلى صاحب شرطة متولي دمشق أن يُنفِذ إليه القُلَيْلَة. فسرقها ليلا، وبعث بها إليه. فلما قتل الأمين ردّ المأمون القليلة إلى دمشق ليُشنّع بها على الأمين.
وكانت في محراب الصحابة. فلما ذهبت جُعل موضعها برنية زجاج رأيتها ثم انكسرت فلم يجعل مكانها شيء.
وقال علي بن أبي جميلة: كنا نستر مسجد دمشق في الشتاء بلبود حسنة، فدخلته الريح فهرته. فثار الناس فحرقوا اللبود.
قلتُ: وأما بناؤه، فهو وثيق البناء، أنيق البهاء، قد بني بالحجر والكلس إلى منتهى حوائطه، وشُرِّف بالشراريف في أعاليه، واتخذت له ثلاث منائر: اثنتان في جناحي قبلته، شرقا وغربا، والثالثة في شامه وتعرف بالعروس.
ويدخل إليه من ستة أبواب، منها أربعة أصول واثنان مستجدان. فالأصول باب الزيادة، وهو في حائطه القبليّ؛ وباب الساعات وهو في حائطه الشرقي، يفضي إلى حضرة الساعات المعمولة لمعرفة الأوقات، تدار بالماء، وتعلق بها أبواب الساعات.