أن الوليد بعث إليه عند فراغه من القبة، ولم يبق إلا عقد رأسها. فقال: إني عزمت على أن أعقدها بالذهب. قال: يا أمير المؤمنين! اختلطت؟ هذا شيء يُقْدَرُ؟ فقال: يا مَاجِن، تقول لي هذا؟ وأمر به، فضُرِب خمسين سوطا. ثم قال: اذهب، فافعل ما أمرت به. قال: فذكر لي أنه عمل لَبِنَةً من ذهب. فحملها إليه فلما رآها وعرف ما فيها، قال: هذا شيء لا يوجد في الدنيا. ورضي عنه وأمر له بخمسين دينارًا.
وقال أبو بكر أحمد بن البرامي، حدثنا أبي (١): سمعت بعض شيوخنا قال: لما فرغ الوليد من بناء المسجد، قيل له أتعبت الناس في طينه كل سنة. فأمر أن يُسقف بالرصاص من كل بلد. فبقي عليه موضع لم يجد له رصاصًا. فكتب إليه بعض عماله: وجدنا عند امرأة منه شيئا، فأبت أن تبيعه إلا وزنا بوزن. فكتب إليه خذه بما أرادت. فأخذه منها وزنا بوزن فلما وفاها، قالت: هو منّى هدية للمسجد. وقالت: أنا ظننتُ أن صاحبكم يظلم الناس. وقيل كانت يهودية.
وقال الوليد بن مسلم (٢): لما أراد الوليد بناء المسجد، كان سليمان بن عبد الملك على الصناع ..
وروي محمد بن عائذ عن مشيخة قالوا: ما تم مسجد دمشق إلا بأداء الأمانة. لقد كان يفضل عند الرجل منهم الفلس ورأس المسمار، فيجيء حتى يضعه في الخزانة.
وقال أحمد بن إبراهيم بن هشام (٣): سمعت أبي يقول: ما في مسجد دمشق من الرخام شيء، إلا رخامتا المقام الغربي. فإنه يقال إنهما من عرش سبأ. وأما الباقي فكله مرمر. المقام هو مقصورة الخطابة والرخامتان هما السماقي البراق، لا يُدرى ما قيمتهما.
[قلت: قوله في ذلك مردود، فقد أجمعت الحكماء على أن الرخام هو الأبيض. فأما الملوّن فكله حجارة. وبمسجد دمشق من الرخام الأبيض وقر مئتين من الإبل. وإن كان الثاني رخاما بزعمه، ففيه من الملوّن كالغرابي والمنقط والمشحم والأخضر والسماقي غير اللوحين شيء كثير. والناس تطلق على كل ذلك اسم الرخام.
وقد استجد شيء كثير منه في الحائط الشامي، جدّده الظاهر بيبرس. واستجد بعد ذلك كثير] (٤).
وقوله المقام الغربي، إشارة إلى محراب مقصورة الخطابة. فإن المسجد لم يكن
(١) تاريخ دمشق ٢/ ٣١. (٢) تاريخ دمشق ٢/ ٣١ - ٣٢. (٣) تاريخ دمشق ٢/ ٣٣. (٤) ما بين المعقوفتين من هامش الأصل.