للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقلت من أخرى، حين زرته في ذي الحجة سنة خمس وأربعين [وسبعمائة]: [من الطويل]

خليل إله العرش أوّلُ مَنْ قَرى … ضيوفا! وها قد جئته واستضفته

أتيت كريما لا تزال رحابه … مُطبّقة بالوفد حيث نظرته

دعت ناره الضَّفانَ في غَسَقِ الدُّجى … وليس سواها بارقًا ثَمَّ شِمتُهُ

فتى الجود شيخ الأنبياء جميعهم … ووالدهم حقا، يقينًا علمته

وقلتُ، عند الوداع في هذه السنة: [من الكامل]

هذا الخليل وهذه أبناؤه! … يكفيك بعد فراقه أنباؤه!

هيهات لا تُوفي أقل حقوقه … ولو أن جفنك لا يجف بكاؤه!

فامسك فؤادك إن ملكت عنانه! … هيهات قد طارت به أهواؤه!

وتعز عن أهل الكتيب وإنما … من أين للصب الكئيب عزاؤه!

قلت: وكان قدومنا هذه المرة على الخليل يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وأربعين وسبعمائة. فبتنا ليلتنا نتبرك بما حوت تلك القبور من العظام العظام، ونعفّر الوجوه في تلك البقعة المشرفة في مواضع أقدام أولئك الأقوام. ثم أصبحنا وقد حَمِدنا السُّرى عند الصَّباح، وطلبنا حوائجنا عند تلك الوجوه الصباح. فلما قضينا من الزيارة الأرب، وهزتنا من النوبة الخليلية الطرب، بعثت وراء الصاحب ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن الخليلي التميمي الداري. وهو بقية هذا البيت الجليل، والمنتهي إليه النظر على وقف الحبيب سيدنا محمد وبلد أبيه إبراهيم الخليل والتمسنا منه إحضار الكتاب الشريف النبوي المكتتب لهم بهذه النَّطية (١). والمُشرِّف لهم به على سائر البرية. فأنعم بإجابة الملتمس، وجاء به أقرب من رَجْعِ النفس. وهو في خرقة سوداء من مُلْحَم قطن وحرير، ومن كم الحسن محمد أبي المستضيء بالله (٢). أمير المؤمنين، وبطانتها من كتّان أبيض على تقدير كل


(١) أي العطية، بلغة اليمن. وذلك إشارة إلى إقطاع تميم الداري الصحابي وسيأتي حكاية هذا الإقطاع ونسخة كتابه في هذه الصفحة والتي تليها. (زكي).
(٢) الحسن بن المستنجد بالله يوسف بن المقتفي العباسي الهاشمي، أبو محمد، المستضيء بالله:
خليفة، من العباسيين في العراق. ولد سنة ٥٣٦ هـ/ ١١٤٢ م. بويع بعد وفاة أبيه وبعهد منه (سنة ٥٦٦ هـ) وصفت له الخلافة تسع سنين وسبعة أشهر. قال ابن شاكر لما تولى المستضيء بالله نادي برفع المكوس، ورد المظالم الكبيرة، وفرق مالًا عظيمًا، ثم احتجب عن الناس، ولم يركب إلا مع الخدم. وفي أيامه زالت الدولة العبيدية بمصر، وضربت السكة باسمه، وجاء البشير =

<<  <  ج: ص:  >  >>