بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. (١). على قول من روى أنه كان نائمًا في المسجد المحيط بالكعبة.
وقد يُطلق المسجد الحرام ويراد به مكة أو الحرم بكماله، على قول من يقول: إن المراد بالمسجد الحرام مكة؛ لأنه ﷺ كان نائمًا في بيت أم هانئ لما أُسْرِي به، وكما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢). على قول من يقول: إن المراد الحرم الخارج عن مكة بكماله.
وهذا كله على وجه التغليب المجازي. ولا ريب فيه. وإلا يلزم الاشتراك في موضوع المسجد الحرام. والمجاز أولى منه. والله أعلم.
ومما يشتمل عليه المسجد الحرام بئر زمزم وهي سُقْيَا إسماعيل، وهَزْمةُ رُوح القدس جبريل؛ طعام طعم، وشفاء سقم، لا تنزف ولا تُذَم، ولا يتوجه إليها ذم؛ لقية عبد المطلب، ودليل سودده ولا كذب. وفي الحديث (٣): «ماء زمزم لما شرب له».
قال السُّهَيْلي (٤): كانت زمزم سُقْيًا إسماعيل بن إبراهيم. فَجَرَها له روح القدس بعقبه. وفي ذلك إشارة إلى أنها لعقب إسماعيل، وراثه، وهو محمد وأُمته ﷺ. والقصة في ذلك معروفة.
وتلخيصها أن إبراهيم ﵇ لما احتمل إسماعيل وأُمَّه هاجَرَ إلى مكة، احتمل معه لهما قربة ماء ومزود تمر. وتركهما بمكة وعاد فلما فرغ التمر والماء عطش إسماعيل، وهو صغير، وجعل ينشغ للموت، جعلت هاجر تسعى من الصفا إلى المروة، ومن المروة إلى الصفا، لترى أحدًا. حتى سمعت صوتًا عند الصبي.
فقالت: قد أسمعت، إن كان عندك غوث. ثم جاءت الصبي. فإذا الماء ينبع من تحت خده. فجعلت تغرف بيديها، وتجعل في القربة. وسيأتي بعد ذلك له خبر. قال النبي ﷺ لو تركته لكان عينا (أو قال: نهرًا معينًا).
قال الحربي (٥): سميت زمزم بزمزمة الماء، وهي صوته.
(١) سورة الإسراء: الآية ١. (٢) سورة البقرة: ١٩٦. (٣) سنن ابن ماجه رقم ٣٠٥٣، مسند أحمد رقم ١٤٣٢٠، أخبار مكة ٢/ ٥٠. (٤) الروض الأنف ١/ ١٦٦. (٥) ابراهيم بن اسحاق بن بشير بن عبد الله البغدادي الحربي، أبو إسحاق: من أعلام المحدثين. أصله من مرو، ولد سنة ١٩٨ هـ/ ٨١٥ م واشتهر وتوفي ببغداد سنة ٢٨٥ هـ/ ٨٩٨ م ونسبته إلى محله فيها. كان حافظًا للحديث عارفًا بالفقه بصيرًا بالأحكام، قيمًا بالأدب، زاهدًا، أرسل إليه المعتضد ألف دينار فردها. تفقه على الإمام أحمد، وصنف كتبًا كثيرة منها «غريب الحديث - خ» =