فهدمها حتى أفضى إلى قواعد إبراهيم، فأمرهم أن يزيدوا في الحفر، فحركوا حجرًا منها، فرأوا تحته نارا وهَوْلًا أفزعهم، فبنوا على القواعد.
وفي الخبر أنه سترها وقت حفر القواعد فطاف الناس بتلك الستارة. ولم تخل من طائف. حتى لقد ذُكر أن يوم قتل ابن الزبير، اشتد الحرب وشغل الناس حينئذ، فلم ير طائف يطوف بها إلا جَمَلٌ. وتمم بناءها وألصق بابها الأرض. وعمل لها خَلْفًا أي بابا من ورائها وأدخل الحجر فيها. وذلك لأن خالته عائشة ﵂ حدثته أن رسول الله ﷺ قال: ألم تَرَيْ أن قومَكِ قصرت بهم النفقة حين بنوا الكعبة، فاقتصروا على قواعد إبراهيم. ثم قال: لولا حدّثان قومك بالجاهلية، لهدمتها وجعلتُ لها خَلْفًا، وألصقت بابها الأرض، وأدخلتُ فيها الحِجْر. فقال ابن الزبير: فليس بنا عجز عن النفقة. فبناها على مقتضى حديث عائشة.
وحكى أبو الوليد الأزرقي أنه لما عزم على هدمها، خرج أهل مكة إلى مِنّى. فقاموا بها ثلاثا خوفا أن ينزل عليهم عذاب لهدمها. فأمر ابن الزبير بهدمها. فما اجترأ على ذلك أحد. فعلاها بنفسه وأخذ المِعْوَل وجعل يهدمها ويرمي أحجارها. فلما رأوا أنه لا يصيبه شيء، صعدوا وهدموا. فلما تم بناؤها، خلقها من داخلها وخارجها، من أعلاها إلى أسفلها، وكساها القَبَاطِيّ. وقال: مَنْ كانت لي عليه طاعة، فليخرج فليعتمر من التنعيم، ومَن قدر أن ينحر بَدَنَةً فليفعل، ومَن لم يقدر فليذبح شاة، ومن لم يقدر عليها فليتصدق بوسعه وخرج ابن الزبير ماشيا، وخرج الناس مشاة. فاعتمروا من التنعيم، شكرًا الله تعالى. فلم يُرَ يوم أكثر عتيقًا وبَدَنَةً منحورة وشاة مذبوحة وصدقةً من ذلك اليوم. ونحر ابن الزبير مائة بدنة.
قال السُّهَيْليّ: ولما قام عبد الملك بن مروان في الخلافة، قال: لسنا من تخليط أبي حبيب بشيء (يعني عبد الله بن الزبير). فهدمها وأعادها على ما كانت عليه في عهد رسول الله ﷺ ل له إلا في ارتفاعها. ثم جاءه الحارث بن أبي ربيعة المخزومي ومعه رجل آخر، فحدّثاه عن عائشة عن رسول الله ﷺ بالحديث المتقدم، فندم وجعل ينكت بِمخْصَرَة في يده الأرض، ويقول:«وَدَدْتُ أَني تركت أبا خُبَيْب، وما تحمّل من ذلك».
وتولى البناء - في زمن عبد الملك بن مروان - الحجاج بن يوسف الثقفي. وهو البناء الخامس الموجود الآن.
[والذي هدمه الحجاج هو الزيادة وحدها. وأعاد الركنين، وسد الباب الذي فتحه ابن الزبير. وسده بين إلى الآن. وجعل في الحجر من البيت دون سبعة أذرع. وعلامة