وقال الأزرقي (١): لما بنى إبراهيم ﵇ الكعبة، جعل طول بنائها في السماء تسعة أذرع، وطولها في الأرض ثلاثين ذراعًا، وعرضها في الأرض اثنين وعشرين ذراعًا. وكانت غير مسقوفة. ثم بنتها قريش في الجاهلية. فزادت في طولها في السماء تسعة أذرع. فصار ارتفاعها في الهواء ثمانية عشر ذراعا. ونقصوا من طولها في الأرض ستة أذرع وشبرا، تركوها في الحجر.
ولم تزل كذلك حتى كان زمن عبد الله بن الزبير، فهدمها وبناها على قواعد إبراهيم، وزاد ارتفاعها في الهواء تسعة أذرع. فصار ارتفاعها سبعة وعشرين ذراعا. ثم بناها الحجاج بن يوسف الثقفي، فلم يغير ارتفاعها. ونقض الحجر وأعاده كما كان في الجاهلية.
واعلم أن الكعبة بنيت في الدهر خمس مرات (٢):
إحداهنّ: بناء الملائكة أو آدم أو شيث، على ما تقدم.
الثانية: بناء إبراهيم.
الثالثة: بناء قريش. والسبب في ذلك أن الكعبة استهدّمت، فكانت فوق القامة. فأرادوا تعليتها. وكان بابها لاصقًا بالأرض في عهد إبراهيم وعهد جُرْهُم إلى أن بنتها قريش. فقال أبو حذيفة بن المغيرة يا قوم ارفعوا باب الكعبة، حتى لا يدخلها أحد إلا بسلم! فإنه لا يدخلها حينئذ إلا من أردتم. فإن جاء أحد ممن تكرهونه رميتم به فسقط وصار نكالا لمن يراه. فرفعت بابها، وجعلت لها سقفا، ولم يكن لها سقف. وزادت ارتفاعها، كما تقدّم. وكان عمر النبي (ﷺ) إذ ذاك خمسًا وعشرين سنة، وقيل خمسًا وثلاثين. فحضر البناء وكان ينقل الحجارة معهم، كما ثبت في الصحيح. وتنافست قريش فيمن يضع الحجر الأسود موضعه من الركن. ثم رضوا بأن يضعه النبي ﷺ.
الرابعة: بناء عبد الله بن الزبير. والسبب في ذلك على ما ذكر السهيلي، أن امرأة أرادت أن تُجمّر الكعبة، فطارت شررة من المجمرة في أستارها. فاحترقت. وقيل طارت شررة من أبي قبيس فوقعت في أستار الكعبة، فاحترقت فشاور ابن الزبير من حضره في هدمها. فهابوا ذلك، وقالوا: نرى أن يُصلح ما وهى منها ولا تُهدم. فقال: لو أن بيت أحدكم احترق لم يرض له إلا بأكمل إصلاح، ولا يكمل إصلاحها إلا بهدمها.
(١) أخبار مكة ١/ ٦٤ - ٦٥، ٢٨٨ - ٢٨٩. (٢) أخبار مكة ١/ ٢٢١ - ٢٢٢.