= ثم قال: "والثالث: ما نقله الثقة عن الثقة كذلك حتى يبلغ إلى النبي ﷺ، يخبر كل واحد منهم باسم الذي أخبره ونسبه، وكلهم معروف الحال والعين والعدالة والزمان والمكان، على أن أكثر ما جاء هذا المجيء فإنه منقول نقل الكوافّ: إما إلى رسول الله ﷺ من طرق جماعة من الصحابة ﵃، وإما إلى الصاحب، وإما إلى التابع، وإما إلى إمام أخذ عن التابع، يعرف ذلك من كان من أهل المعرفة بهذا الشأن، والحمد لله رب العالمين. وهذا نقل خص الله تعالى به المسلمين دون سائر أهل إلى الملل كلها، وأبقاه عندهم غضا جديدًا على قديم الدهور، منذ أربعمائة وخمسين عامًا - هذا في عصره والآن ١٣٥٢ سنة - في المشرق والمغرب، والجنوب والشمال، يرحل في طلبه من لا يحصى عددهم إلّا خالقهم إلى الآفاق البعيدة، ويواضب على تقييده من كان الناقد قريبًا منه، قد تولى الله تعالى حفظه عليهم، والحمد لله رب العالمين. فلا تفوتهم زلة في كلمة فما فوقها في شيء من النقل إن وقعت لأحدهم، ولا يمكن فاسقًا أن يقحم فيه كلمة موضوعة، ولله تعالى الشكر. وهذه الأقسام الثلاثة التي نأخذ ديننا منها ولا نتعداها، والحمد لله رب العالمين". ثم ذكر المرسل والمعضل والمنقطع، وأن المسلمين اختلفوا في الاحتجاج بمثل ذلك ثم قال: ومن هذا النوع كثير ما نقل اليهود، بل هو أعدى ما عندهم، إلا أنهم لا يقربون فيه من موسى كقربنا فيه من محمد ﷺ، بل يقفون ولا بد، حيث بينهم وبين موسى ﵇ أزيد من ثلاثين عصرًا في أزيد من ألف وخمسمائة عام، وإنما يبلغون بالنقل إلى هلال وشماني وشمعون ومرعقيبا وأمثالهم. وأظن أن لهم مسألة واحدة فقط يروونها عنها حبر من أحبارهم عن نبيّ من متأخري أنبيائهم أخذها عنه مشافهة، في نكاح الرجل ابنته إذا مات عنها أخوه. وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق وحده فقط، على أن مخرجه من كذاب قد صح كذبه". وطلب العلو في الإسناد سنة عن الأئمة السالفين كما قال الإمام أحمد بن حنبل، ولهذا حرص العلماء على الرحلة إليه واستحبوها وأخطأ من زعم أن النزول أفضل، ناظرا إلى أن الإسناد كلما زاد عدد رجاله زاد الاجتهاد والبحث فيه. قال ابن الصلاح (ص ٢١٦) "العلو يبعد الإسناد من الخلل، لأن كل رجل من رجاله يحتمل أن يقع الخلل من جهته سهوًا أو محمدًا، ففي قلتهم قلة جهات الخلل، وفي كثرتهم كثرة. جهات الخلل. وهذا جلي واضح". (١) العلو في الإسناد خمسة أقسام: الأول - وهو أعظمها وأجلها -: القرب من رسول الله ﷺ بإسناد صحيح نظيف خال من الضعف. بخلاف=