(١) ذهب ابن الصلاح إلى أنه قد تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد، ومنع بناء على هذا من الجزم بصحة حديث لم نجده في أحد الصحيحين ولا منصوصًا على صحته في شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة. وبني على قوله هذا أن ما صححه الحاكم من الأحاديث ولم نجد فيه لغيره من المعتمدين تصحيحًا ولا تضعيفًا حكمنا بأنه حسن إلا أن يظهر فيه علة توجب ضعفه. وقد رد العراقي وغيره قول ابن الصلاح هذا، وأجازوا لمن تمكن وقويت معرفته أن يحكم بالصحة أو بالضعف على الحديث بعد الفحص عن إسناده وعلله، وهو الصواب. والذي أراه أن ابن الصلاح ذهب إلى ما ذهب إليه بناء على القول بمنع الاجتهاد بعد الأئمة، فكما حظروا الاجتهاد في الفقه أراد ابن الصلاح أن يمنع الاجتهاد في الحديث. وهيهات. فالقول بمنع الاجتهاد قول باطل، ولا برهان عليه من كتاب ولا سنة، ولا تجد له شبه دليل. (٢) يعني أن المستخرجات على الصحيحين قد يأتي فيها ألفاظ كثيرة تخالف رواية الأصل، فالأحوط أن لا ينسب ما ينقل عن المستخرج إلى الأصل، وأن من نقل عن المستخرج حديثًا ونسبه إلى الأصل المستخرج عليه فإنما يريد أصل الحديث لا هذا اللفظ بعينه، ولكنه لم يحسن صنعًا بهذا العزو، على أن الزيادة التي في المستخرج لها حكم الصحة؛ لأنها رويت بإسناد صحيح. (٣) لم يذكر المؤلف (موطأ مالك) في الصحاح، مع أنه في شرحه عليه قال (ص ٨): "الصواب إطلاق أن الموطأ صحيح لا يستثنى منه شيء" وهذا غير صواب، والحق أن ما في الموطأ من الأحاديث الموصولة المرفوعة إلى رسول الله ﷺ صحاح كلها، بل هي في الصحة كأحاديث الصحيحين، وأن ما فيه من المراسيل والبلاغات وغيرها يعتبر فيها ما يعتبر في أمثالها مما تحويه الكتب الأخرى، وإنما لم يعد في الكتب الصحاح لكثرتها وكثرة الآراء الفقهية لمالك وغيره، نم إن الموطأ رواه عن مالك كثير من الأئمة وأكبر رواياته - فيما قالوه - رواية القعنبي. والذي في أيدينا منه رواية يحيى بن يحيى الليثي، وهي المشهورة الآن، ورواية محمد بن الحسن صاحب أبي خيفة، وهي مطبوعة في الهند وعليها شرح نفيس للعلامة اللكنوي.