للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .


= نفس العالم العارف بهذا الشأن أن الحديث معلول، ويغلب على ظنه فيحكم بعدم صحته، أو يتردد فيتوقف فيه. وربما تقصر عبارته عن إقامة الحجة على دعواه، قال عبد الرحمن بن مهدي: "معرفة علل الحديث إلهام، لو قلت للعالم بعلل الحديث: من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة، وكم من شخص لا يهتدي لذلك" وقيل له أيضًا: "إنك تقول للشيء: هذا صحيح، وهذا لم يثبت، فعمن تقول ذلك؟ فقال: أرأيت لو أتيت الناقد فأريته دراهمك، فقال: هذا جيد، وهذا بهرج، أكنت تسأل عمن ذلك، أو تسلم له الأمر؟ قال: بل أسلم له الأمر، قال: فهذا كذلك، لطول المجالسة والمناظرة والخبرة" وسئل أبو زرعة: "ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ فقال: الحجة أن تسألني عن حديث له علة، فأذكر علته، ثم تقصد ابن دارة، فتسأله عنه، فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم، فيعلله، ثم تميز كلامنا على ذلك الحديث، فإن وجدت بيننا خلافًا فاعلم أن كلًّا منَّا تكلم على مراده، وإن وجدت الكلمة متفقة فاعلم حقيقة هذا العلم. ففعل الرجل ذلك، فاتفقت كلمتهم، فقال: أشهد أن هذا العلم إلهام".
والعلة قد تكون بالإرسال في الموصول أو الوقف في المرفوع أو بدخول حديث في حديث أو وهم واهم أو غير ذلك، مما يتبين للعارف بهذا الشأن من جمع الطرق ومقارنتها، ومن قرائن تنضم إلى ذلك.
وأكثر ما تكون العلل في أسانيد الأحاديث، فتقدح في الإسناد والمتن معًا، إذا ظهر منها ضعف الحديث، وقد تقدح في الإسناد وحده، إذا كان الحديث مرويًا بإسناد آخر صحيح، مثل الحديث الذي رواه يعلى بن عبيد الطنافسي أحد الثقات عن سفيان الثوري عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن النبي قال: "البيعان بالخيار" الحديث، فهذا الإسناد متصل بنقل العدل عن العدل، وهو معلول، وإسناده غير صحيح، والمتن صحيح على كل حال، لأن يعلى بن عبيد غلط على سفيان في قوله "عمرو بن دينار" وإنما صوابه "عبد الله بن دينار" هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان، كأبي نعيم الفضل بن دكين ومحمد بن يوسف الفريابي ومخلد بن يزيد وغيرهم، رووه عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر.
وقد تقع العلة في متن الحديث. وذكر له المؤلف مثالًا حديث "البسملة" ونسبه للمسند، وأراد به صحيح مسلم فيما أسنده إلى النبي وتعبيره عنه بالمسند تعبير غير جيد، وإنما حكم عليه الوزن والقافية. وحديث البسملة هو الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه من رواية الوليد بن مسلم: "حدثنا الأوزاعي عن قتادة أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك أنه حدثه قال: صليت خلف النبي وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها" ثم رواه مسلم أيضًا من رواية الوليد عن الأوزاعي: أخبرني إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنسًا يذكر ذلك. قال ابن الصلاح في كتاب علوم الحديث: (فعلل قوم رواية اللفظ المذكور - يعني التصريح بنفي قراءة البسملة - لما رأوا الأكثرين إنما قالوا فيه: "فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين" من غير تعرض لذكر البسملة، وهو الذي اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في الصحيح، ورأوا أن من رواه باللفظ المذكور رواه بالمعنى الذي وقع له. ففهم من قوله: "كانوا يستفتحون بالحمد لله" أنهم كانوا لا يبسملون، فرواه على ما فهم، وأخطأ، لأن معناه أن السورة التي كانوا يفتتحون بها من السور هي الفاتحة، وليس فيه تعرض لذكر التسمية، وانضم إلى ذلك أمور: منها أنه ثبت عن أنس أنه سئل عن الافتتاح بالتسمية، فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئًا عن رسول الله والله أعلم). وقد أطال =

<<  <   >  >>